اسرار | بالاسماء والتفاصيل- جمهورية الظل القضائية : كيف شيدت مليشيا الحوثي محاكم موازية لنهب الأموال وتصفية الخصوم؟| شاهد

اسرار | بالاسماء والتفاصيل- جمهورية الظل القضائية : كيف شيدت مليشيا الحوثي محاكم موازية لنهب الأموال وتصفية الخصوم؟| شاهد

 صنعاء | تقرير استقصائي خاص

منذ انقلابها المشؤوم في خريف 2014، لم تكتفِ مليشيا الحوثي بتجريف مؤسسات الدولة الدستورية في اليمن، بل عمدت بأسلوب منهجي متطرف إلى بناء "منظومات ظل" أمنية، واقتصادية، وتشريعية تدير المشهد من وراء الستار.

وفي صدارة هذه الهياكل الموازية، يبرز "القضاء الموازي"؛ الذي جُرّد من وظيفته السامية في فض النزاعات وحماية الحقوق، ليتحول إلى ذراع أمنية وسياسية تشرعن السطو المسلح، وتؤمم الأموال، وتصفي الخصوم السياسيين، متجاوزةً القوانين الوطنية والمواثيق الدولية لتثبيت أركان حكمها السلالي شمال اليمن.

عبر هذا التقرير، نسلط الضوء على تفكيك المليشيا للمنظومة القضائية الرسمية، وإحلال كيانات هجينة تتداخل فيها الولاءات العقائدية مع صراع مراكز النفوذ المالي والأمني بين أجنحة الجماعة.

أولاً: الهيئة القضائية الداخلية (محكمة النخبة السرية)

تمثل هذه الهيئة "مجلس التحكيم السري الأعلى" والجهة القضائية الأكثر غموضاً وحصانة داخل البنية التنظيمية لجماعة الحوثي.

طبيعة الكيان: مجلس سري معني بحل الخلافات العاصفة بين قيادات الصف الأول والثاني للمليشيا، والإشراف المباشر على الكيانات القضائية الأخرى لضمان عدم خروجها عن خط الجماعة.

هوية القائد: يدير هذه الهيئة بصرامة القيادي البارز "محسن صالح الحمزي" (المنحدر من معقل الجماعة في بلدة الحمزات بصعدة، ويشغل رسمياً منصب نائب محافظ صعدة).

الدور الاستراتيجي: يُعد الحمزي "اللاعب الخفي" في كواليس صراعات الأجنحة الحوثية. وتكمن مهمته الأساسية في فض النزاعات الحادة حول تقاسم الأموال المنهوبة والامتيازات السلطوية، حمايةً للنواة الصلبة للجماعة من الانقسام والتآكل الداخلي.

ثانياً: المنظومة العدلية (مظلة الاستحواذ العائلي والقبلي)

في أواخر عام 2020، ووسط سباق محموم بين قيادات المليشيا للسيطرة على الأراضي والعقارات الشاسعة في صنعاء ومحيطها، ابتكرت الجماعة ما يُسمى "المنظومة العدلية".

رأس الحربة: يترأس هذا الجناح "محمد علي الحوثي" (عضو المجلس السياسي الأعلى وابن عم زعيم المليشيا).

الأهداف والأدوار:

• إحكام القبضة الحديدية على وزارة العدل والمحاكم الرسمية.

• توفير غطاء تشريعي لتعديل القوانين النافذة، بما يسمح بتعيين عناصر غير مؤهلة أكاديمياً (من خريجي الدورات الطائفية) في سلك القضاء.

• تجميد وأدلجة وتأميم عقارات وأراضي المعارضين السياسيين والمستثمرين، عبر لجان حصر وتوثيق تابعة لمحمد علي الحوثي مباشرة.

ثالثاً: ديوان لجنة المظالم (سلاح الجناح الرئاسي)

يمثل هذا الكيان جناح النفوذ الرئاسي والتنفيذي المباشر، وتأسس لخلق توازن قوى مع منظومة "محمد علي الحوثي".

المرجعية والقيادة: يتبع إدارياً رئيس المجلس السياسي الأعلى للمليشيا "مهدي المشاط"، بينما يُديره فعلياً وبقبضة حديدية القيادي النافذ "أحمد محمد يحيى حامد" (أبو محفوظ)، الذراع اليمنى لزعيم الجماعة.

المهمة المزدوجة:

سياسياً واقتصادياً: كسر احتكار "المنظومة العدلية" للملف القضائي، وتأمين وحماية المصالح التجارية والنفطية التابعة للشركات المملوكة لجناح "المشاط وحامد".

شعبياً وتعبوياً: امتصاص الغضب الشعبي عبر استقبال شكاوى المواطنين ضد تعسفات المشرفين الصغار (الصف الثالث)، لتسويق صورة مضللة عن "عدالة بديلة"، بينما يدير الديوان في ذات الوقت سجوناً توقيفية خاصة بالنزاعات العقارية والمالية الكبرى ذات البعد الاستراتيجي.

رابعاً: التفتيش القضائي ومجلس القضاء (أدوات الحوثنة والأدلجة)

لضمان تطويع المحاكم بالكامل، أخضعت المليشيا "مجلس القضاء الأعلى" و"هيئة التفتيش القضائي" لعملية هيكلة عقائدية راديكالية.

إدارة التفتيش: يقود هيئة التفتيش القضائي القاضي المعين من الجماعة "مروان محمد علي المحاقري"، وهو المحرك التنفيذي المسؤول عن إقصاء القضاة المهنيين وتعيين آخرين موالين عقائدياً لإدارة فروع التفتيش في المحافظات الحيوية.

رئاسة المجلس: جرى تعيين القاضي الدكتور "عبد المؤمن عبد القادر شجاع الدين" رئيساً لمجلس القضاء الأعلى، ليكون بمثابة الواجهة الإدارية والقانونية التي تشرعن خطط "حوثنة" المحاكم والمصادقة على قرارات التفتيش.

الموجه الأيديولوجي: تخضع كافة القرارات في المجلس والتفتيش لتوجيهات عضو مجلس القضاء الأعلى، الأيديولوجي البارز "عبد الوهاب المحبشي"، المسؤول الأول عن صياغة المضامين الطائفية لـ"علماء الشريعة" الحوثيين والدفع بهم لاستلام منصات القضاء.

خامساً: الحارس القضائي (ذراع النهب والتأميم المالي)

يُعد نظام "الحارس القضائي" التجسيد الفعلي لإمبراطورية النهب الحوثية، وهو الأداة التنفيذية المباشرة لمصادرة الشركات والمنشآت الخاصة.

قائد المنظومة: يدير هذا الكيان بصفة "الحارس القضائي" منتحل رتبة لواء المدعو "صالح مسفر الشاعر"، المطلوب دولياً والمهندس الأول لنهب القطاع الخاص، مستغلاً منصبه العسكري كـ"مساعد وزير الدفاع للشؤون اللوجستية" لاستخدام القوة العسكرية في اقتحام المنشآت.

آلية العمل التكاملي:

1. تقوم المنظومة العدلية بعمليات الرصد والحصر لعقارات المستثمرين والخصوم.

2. يصدر القضاء الحوثي أحكاماً معلبة تشرعن الاستيلاء.

3. يتحرك الحارس القضائي مدعوماً بقوات عسكرية للسيطرة الفعلية على الشركات والمدارس الخاصة والمستشفيات والجامعات، وتحصين هذه القرارات ضد أي طعون قانونية.

الهدف الاستراتيجي للحارس القضائي:

تجفيف المنابع المالية لرجال الأعمال والوجاهات القبلية المستقلة والمعارضين، وبناء إمبراطورية اقتصادية موازية تتبع مباشرة "جناح صعدة" الصلب، لتمويل ما يسمى بـ"المجهود الحربي" وتأمين تمويل ذاتي للمليشيا بعيداً عن موازنة الدولة المنهوبة.

خلاصة الاستراتيجية الحوثية

يرى مراقبون وفقهاء قانونيون أن تشييد مليشيا الحوثي لهذه الكيانات القضائية الهجينة والموازية لم يكن مجرد إجراءات تنظيمية عابرة، بل هو إحلال كلي لسلطة ميليشياوية بديلة.

لقد حوّل هذا القضاء الموازي مؤسسات الدولة الرسمية في صنعاء إلى مجرد "ديكور بروتوكولي" واهٍ، بينما تُدار الأموال، وتُصادر الحريات، وتُصاغ القرارات المصيرية عبر شبكة معقدة وسرية من المشرفين والمجالس الطائفية التي لا تعترف بدستور ولا قانون.