اسرار | بين الانتحار الجيوسياسي والفرصة التاريخية: كيف يصنع الحوثي شروط فنائه؟
بقلم / أنس الخليدي *
في مدونات التاريخ الجيوسياسي، تبرز مفارقة حتمية وقانون ثابت: "الكيانات الهشّة التي تحاول فرض بقائها عبر التصعيد الأعمى، تصبح في نهاية المطاف المهندس الأكبر لدمارها الذاتي". ولا تبدو جماعة الحوثي استثناءً من هذه القاعدة التاريخية، بل هي التجلي المعاصر الأكثر وضوحاً لها. فمنذ الحرب الأخيرة، لم يعد الحوثي مجرد تمرد محلي يمكن احتواؤه أو التعايش معه، بل تحول إلى "آلة تصعيد" متسارعة، يقدم في كل جولة صراع مبررات جديدة، وحججاً قاطعة، وذرائع مكتملة الأركان لمن يملكون الإرادة والقدرة الدولية والإقليمية لإنهاء وجوده. ولقد بلغت هذه الوتيرة الذروة مؤخراً، حيث تكثفت المعطيات التي تجعل من القضاء عليه ضرورة ملحة.
سقوط ورقة التوت: اليمن منصة للتهديدات غير التقليدية
إن النقطة الفاصلة التي تمثل تحولاً جيوسياسياً حقيقياً، تكمن في الوقائع والاستخبارات الموثقة التي تؤكد نقل طهران تقنيات عسكرية محرمة ومحظورة دولياً إلى الحوثيين؛ بما في ذلك مكونات الصواريخ الباليستية المتطورة والطائرات المسيرة، والتي يتم تهريبها على شكل قطع وتجميعها في ورش تصنيع سرية تحت إشراف خبراء أجانب.
هذا الاختراق الخطير لا يمكن قراءته في سياق الدعم اللوجستي التقليدي لمليشيا محلية، بل هو انتهاك صريح وفاضح لمعاهدات عدم الانتشار، وتحويل للأراضي اليمنية إلى منصة متقدمة لإطلاق تهديدات غير تقليدية تمس مباشرة:
• شرايين الملاحة العالمية: تهديد ممرات التجارة الدولية والأمن البحري في البحر الأحمر وباب المندب.
• الأمن الإقليمي: استهداف سلامة واستقرار دول الجوار ومنشآتها الحيوية.
وهنا، سقطت ورقة التوت الدبلوماسية تماماً؛ فلم يعد القضاء على المشروع الحوثي مجرد ملف محلي يتعلق بـ"استعادة الشرعية اليمنية"، بل تحول إلى أولوية قصوى للأمن القومي الإقليمي والدولي، وشرطاً مسبقاً لا غنى عنه للحفاظ على المنظومة الأمنية والعالمية، مما يجعل من المعركة القادمة واجباً أممياً جماعياً قبل أن تكون معركة يمنية داخلية.
المعادلة النادرة.. الرياض أمام مفترق طرق استراتيجي
في قلب هذه المعادلة المعقدة والمتحولة، تقف المملكة العربية السعودية اليوم أمام مفترق طرق تاريخي يحتم عليها إعادة التقييم الجذري لحسابات "الصبر الاستراتيجي" وسياسة الاحتواء المعتادة. فالخطر النامي في خاصرتها الجنوبية لم يعد مجرد ميليشيا حدودية يمكن إدارتها عبر مسارات التهدئة المؤقتة أو التفاهمات الهشة، بل تحول إلى كيان هجين يتسلح بترسانة تكنولوجية تجعل منه خطراً وجودياً مباشراً يهدد العمق الاستراتيجي للمملكة ومشاريعها التنموية الكبرى.
بالمقابل، تمتلك الرياض اليوم "معادلة ذهبية" نادرة ومثالية لم تتوفر من قبل، تتشكل من ثلاثة أركان:
1. الغطاء الدولي المطلق: الناتج عن تحول المليشيا إلى مهدد حقيقي للاقتصاد والاستقرار العالمي.
2. المبرر الأمني القاطع: نظراً للتصعيد التقني والعسكري النوعي للخصم وتجاوزه للخطوط الحمراء.
3. الفرصة التاريخية: لتحويل استراتيجية المعركة من "الدفاع عن الحدود" إلى "الهجوم الاستباقي الحاسم" لاستئصال التهديد من جذوره.
حتمية الاستئصال والسيناريو الأخير
إن التاريخ العسكري يعلمنا دائماً أن الفاعلين المغامرين الذين يدفعون خصومهم لتجاوز الخطوط الحمراء الوجودية، ينتجون بأيديهم شروط فنائهم. بناءً على هذا المعطى، فإن أي مواجهة قادمة لن تكون مجرد جولة تقليدية أخرى من جولات استنزاف الحدود، بل ستكون "عملية جراحية نهائية" مدعومة إقليمياً ودولياً، تستهدف استئصال ورم عسكري وتقني نما وتضخم مستغلاً حسابات سياسية دولية خاطئة دفع الجميع ثمنها.
لقد قدم الحوثي، بغطرسته السياسية والعسكرية العمياء، التبرير القانوني المطلق، والغطاء السياسي الدولي، والفرصة الاستراتيجية الحاسمة للعالم وللمحيط الإقليمي، ليسدلوا الستار على فصله الأسود، وينهوا هذا التهديد إلى الأبد.
* (إعادة صياغة بتصرّف)