اسرار | تحليل - اليمن في مأزق (المعادلة الصفرية): كيف يحول الحوثيون البلاد إلى صمام ضغط للمشروع الإيراني؟
متابعات خاصة |
في قراءة جيوإستراتيجية متعمقة للمشهد اليمني، خلص تحليل سياسي رصين نشرته صحيفة "العرب" اللندنية، وأعده المحلل السياسي الأردني عبد الكريم سليمان العرجان، إلى أن اليمن شُطب نهائياً من قائمة "النزاعات الداخلية على السلطة"، ليتصدر واجهة معادلات الأمن الإقليمي والدولي. وباتت الجغرافيا اليمنية، في ظل سيطرة مليشيا الحوثي، المحور الرئيس لتصفية الحسابات الكبرى وصياغة الرسائل الخشنة بين القوى الإقليمية المتنافسة في الشرق الأوسط، ما يضع أمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر على حافة هاوية غير مسبوقة.
يرتكز التحليل على عدة محاور استراتيجية تفكك أبعاد الأزمة الحالية:
1. الانهيار الكبير ومخاض "المعادلة الصفرية"
يرى التحليل أن انهيار التهدئة الهشة مطلع يوليو 2026 يمثل نقطة تحول مفصلية نقلت الأزمة اليمنية إلى مرحلة متقدمة من الاستعصاء؛ حيث لم تعد المقاربات الدبلوماسية التقليدية أو الصيغ التسوية السابقة قابلة للحياة. ويوضح الكاتب أن الصراع دخل طور "المعادلة الصفرية"، حيث يُترجم أي مكسب يحققه طرف ما كخسارة وجودية واستراتيجية للطرف الآخر، مما يبقي اليمن رهينة حرب استنزاف مفتوحة بلا أفق سياسي، ويتحول معها إلى "صمام ضغط" يتم التحكم به من طهران لإدارة الأزمات الممتدة وصولاً إلى البحر الأحمر.
2. الاختراق الإيراني ومقاييس ردود الفعل
وفقاً للقراءة التحليلية، فإن وصول الرحلات الجوية الإيرانية المباشرة إلى مطار صنعاء يتجاوز البعد اللوجستي أو الإنساني ليمثل "اختباراً استراتيجياً فجاً" لقياس ردود فعل المجتمع الدولي والقوى الإقليمية.
وتوظف طهران والمليشيا هذه التحركات لتحقيق هدفين مزدوجين:
• داخلياً: يستثمر الحوثيون هذه الخطوات لفرض "حالة طوارئ" دائمة وإعادة إنتاج التعبئة العسكرية، مما يمكنهم من إحكام القبضة الحديدية على القبائل والمجتمع المحلي، واحتواء التذمر الشعبي المتصاعد نتيحة الانهيار الاقتصادي.
• إقليمياً: تبعث طهران برسالة واضحة مفادها أن موازين القوى في البحر الأحمر قد تبدلت، وأن الممرات المائية الدولية باتت أوراق ضغط حصرية ضمن مشروعها التوسعي، عبر وكيل محلي يمنحها ميزة "الإنكار المريح" للمسؤولية المباشرة.
3. باب المندب واستراتيجية "الاستنزاف التقني"
يمنح التحليل مساحة واسعة للموقع الجيوسياسي لمضيق باب المندب، مؤكداً أنه تحول من مجرد ممر تجاري عالمي إلى "ميدان كسر إرادات" دولي. ويحذر الكاتب من أن أي جولة تصعيد عسكري جديدة ستضع حركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد في مرمى خطر داهم، نتيجة اعتماد المحور الإيراني على استراتيجية "الاستنزاف التقني اللامتناظر" (عبر الطائرات المسيرة والصواريخ البحرية منخفضة التكلفة)، لإبقاء الصراع في "المنطقة الرمادية" التي تنهك الاقتصاد العالمي دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة وشاملة مع القوى الكبرى.
4. تآكل الحاضنة وتصدع الشرعية الاجتماعية للحوثيين
على الصعيد الداخلي، يصف التحليل الواقع اليمني بـ"مجتمع منقسم على أنقاض دولة"، ففي مقابل التحديات الهيكلية التي تواجهها الحكومة الشرعية في بسط نفوذها، تعيش مليشيا الحوثي أزمة عميقة تتمثل في التآكل التدريجي لشرعيتها الاجتماعية. ويشير الكاتب إلى أن القبائل اليمنية — التي شكلت تاريخياً الركيزة الصلبة للنفوذ الحوثي — بدأت تبدي أشكالاً حادة من الرفض والمقاومة الصامتة، مدفوعة بالفقر الممنهج والتراجع الحاد في مستويات المعيشة، مما يجعل الجماعة معتمدة كلياً على القوة العسكرية العارية للاحتفاظ بمناطق سيطرتها.
5. اليمن في شبكة الصراعات المتقاطعة
يربط التحليل مسار الأزمة اليمنية بشبكة المعقدات الإقليمية، لا سيما المواجهة الإيرانية-الإسرائيلية، والمنافسة الخليجية-الإيرانية. وفيما ترى طهران في اليمن ذراعاً متقدمة لابتزاز محيطها الجغرافي، يرى التحليل أن إسرائيل تسعى للاستفادة من استمرار هذه الفوضى باعتبارها أداة لاستنزاف خصومها وإبعاد الضغط العسكري عن جبهاتها المباشرة، وهو ما ينتج في المحصلة كيانات مسلحة تقتات على غياب الدولة وتحول السيادة الوطنية إلى سلعة للمساومة.
خاتمة التحليل: صياغة قسرية للمستقبل
يخلص الكاتب في نهاية تحليله الاستشرافي إلى أن اليمن لم يعد يمتلك ترف الاختيار بين خياري الحرب أو السلام، بل يقف قسراً أمام سيناريو "إعادة الصياغة الجيوسياسية القسرية". ويحذر من أن استمرار التصعيد الحالي سيقود حتماً إلى أحد مسارين:
1. إما تكريس اليمن كمنطقة نفوذ مجزأة ومثقوبة سيادياً تخضع لتقاسم القوى الخارجية.
2. وإما انفجار جيوسياسي واسع النطاق يعيد رسم خارطة النفوذ في شبه الجزيرة العربية برمتها، ليكون باب المندب هو الخط الفاصل في تحديد مستقبل الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط لعقود قادمة.