اسرار | بالتفاصيل- زلزال معيشي يضرب صمام أمان المجتمع: تآكل (الطبقة الوسطى) يعجّل بالانهيار الشامل في اليمن

اسرار | بالتفاصيل- زلزال معيشي يضرب صمام أمان المجتمع: تآكل (الطبقة الوسطى) يعجّل بالانهيار الشامل في اليمن

متابعات اقتصادية | 

كشف تقرير اقتصادي حديث عن تحول دراماتيكي مرعب في البنية الاجتماعية اليمنية، متمثلاً في التآكل الممنهج والمتسارع للطبقة الوسطى جراء تداعيات الحرب الممتدة. وأكد التقرير أن الآثار الكارثية للصراع تجاوزت خطوط المواجهات العسكرية الدامية، لتتحول إلى "حرب اقتصادية صامتة" أصابت مؤسسات الدولة والبنية المجتمعية في الصميم، مهددة بمسح صمام الأمان الذي حافظ على تماسك البلاد لعقود.

العمود الفقري للدولة في مهب الريح

وأوضح التقرير، الذي نشره موقع "نيوز يمن"، أن الطبقة الوسطى — التي شكّلت تاريخياً النواة الصلبة للإدارة العامة، ومنظومة التعليم، والخدمات المدنية، والقطاع المهني — تواجه اليوم طوراً متقدماً من "الانهيار الهيكلي". ويأتي هذا التدهور نتيجة التراجع التاريخي لقيمة العملة الوطنية، والقفزات الجنونية في تكاليف المعيشة، يقابله جموع كامل للرواتب الحكومية وانعدام تام لسياسات الحماية الاقتصادية الفعالة.

وأشار التحليل إلى أن الموظف العام في اليمن أُزيح قسراً خلال سنوات الحرب من مربع "الاستقرار المعيشي النسبي" — الذي كان يكفل له حداً أدنى من الكرامة وتلبية المتطلبات الأساسية — ليُقذف به إلى "معركة بقاء يومية" طاحنة. فبعد أن فقد الراتب الحكومي وظيفته الحمائية كمصدر للأمان المالي، بات عاجزاً بشكل كلي عن مجاراة الارتفاعات القياسية المستمرة في أسعار السلع الغذائية، المشتقات النفطية، وإيجارات العقارات.

بين العجز والإهمال: الفئة الأكثر انكشافاً

وبحسب التقرير، فإن معضلة المشهد لا تكمن فقط في تدني الأجور، بل في الانهيار التام للعلاقة المنطقية بين الدخل وتكاليف الحياة، وسط غياب مطبق لأي أدوات نقدية لمواجهة التضخم، أو تدخلات حكومية حقيقية لإعادة التوازن الاقتصادي. هذا الوضع جعل القوة الشرائية للمواطن تتبخر بشكل غير مسبوق في تاريخ البلاد.

وحذر التقرير من أن الطبقة الوسطى باتت "الخاسر الأكبر" والطرف الأكثر إنكشافاً في المعادلة الراهنة؛ فهي لا تملك أصولاً رأسمالية تحميها من شبح التضخم، وفي الوقت ذاته، تسقط عمداً من كشوفات برامج الدعم الإنساني الدولي الموجهة حصراً للفئات الأشد فقراً، لتجد هذه الشريحة الحيوية نفسها "عالقة في برزخ العجز والإهمال الرسمي".

من منبر التعليم إلى رصيف الكفاح

دفع هذا الانسداد المعيشي بآلاف الأكاديميين، المعلمين، الكفاءات الإدارية، والمهندسين إلى الانخراط في مهام عمالية شاقة وأعمال إضافية خارج قطاعاتهم الرسمية؛ حيث تحول الكثير منهم إلى قيادة سيارات الأجرة، أو العمل في الأسواق الشعبية والمشاريع المتناهية الصغر. وهو تحول سوسيولوجي خطير يعكس اختلال الوظيفة البنيوية للدولة، وتلاشي قدرة القطاع العام على توفير الحد الأدنى من العيش الكريم لمنتسبيه.

تجريف رأس المال البشري وتدمير المستقبل

ولم تقف شظايا هذه الأزمة عند حدود المعيشة اليومية، بل امتدت لتضرب قطاعات التنمية المستدامة كـ التعليم والصحة. إذ اضطرت الأسر من الطبقة الوسطى إلى اتخاذ قرارات قاسية عبر تقليص الإنفاق على تعليم أبنائها (ولا سيما الجامعي والخاص) وتأجيل الرعاية الصحية الضرورية، الأمر الذي يهدد بنسف وتجريف رأس المال البشري لليمن، ويحرم البلاد من جيل المستقبل المؤهل لقيادة أي مرحلة إعمار قادمة.

وعلى الصعيد الاجتماعي، رصد التقرير تحولات عميقة وبنيوية بدأت تطفو على السطح، أبرزها:

تأخر سن الزواج نتيجة التكاليف الباهظة وعجز الشباب عن فتح بيوت مستقلة.

تنامي ظاهرة الديون المتراكمة التي باتت تلاحق أرباب الأسر وتثقل كاهلهم.

انفجار معدلات الهجرة الخارجية والنزوح الداخلي بحثاً عن بوارق أمل جديدة.

اتساع الفجوة الطبقية بشكل حاد، وتحول المجتمع تدريجياً إلى قطبين: أقلية ثرية (تتربح من اقتصاد الحرب) وأغلبية ساحقة تحت خط الفقر.

ناقوس الخطر: أزمة شعب لا أزمة فئة

واختتم التقرير قراءته بالتحذير من أن تآكل الطبقة الوسطى لا يمثل أزمة فئوية معزولة يمكن غض الطرف عنها، بل هو "زلزال بنيوي" يضرب مقومات بقاء الدولة والمجتمع معاً. مؤكداً أن استمرار هذا المسار التصاعدي دون اتخاذ معالجات جذرية شاملة وعاجلة — تُعيد التوازن للمنظومة الاقتصادية وتنقذ القيمة الشرائية للعملة — سيقود اليمن حتماً نحو انهيار اجتماعي شامل وفوضى معيشية قد لا تحمد عقباها.