اسرار | ثقوب في عباءة "التغيير الجذري": لماذا يخشى الحوثيون ولادة حكومة جديدة؟.. وكيف تبتلع "دولة المشرفين" ما تبقى من مؤسسات صنعاء؟
تقرير خاص | تحليل سياسي
ثمانية أشهر مضت على "الزلزال الأمني" الذي ضرب رأس الهيكل الانقلابي في صنعاء، حين حصدت غارة جوية دقيقة أرواح رئيس حكومتهم وعدد من وزرائه في قلب اجتماعهم السري. ثمانية أشهر والجماعة تراوح في "مربع العجز"، غير قادرة —أو ربما غير راغبة— في ترميم شتات حكومتها. لكن هذا الشلل، في قراءة المشهد السياسي العميق، ليس مجرد تعثر إداري، بل هو إعلان رسمي عن انتصار "سلطة الأقبية" على "واجهة المؤسسات"، وتكريس لنهج الحكم عبر الأشباح.
وعود "التغيير" التي تبخرت في أتون الصراع
حين أطلق زعيم الجماعة شعار "التغيير الجذري" وبشّر بـ "حكومة كفاءات"، ظن البعض أن المليشيا تسعى لغسل سمعتها الإدارية الملطخة بالفشل والفساد. غير أن الأيام كشفت أن تلك الوعود لم تكن سوى "مخدر موضعي" لامتصاص الغضب الشعبي؛ إذ تدرك الجماعة أن وجود حكومة ذات ملامح وصلاحيات، حتى وإن كانت موالية، يمثل قيداً على تحركات "المجلس الجهادي" الذي يمسك بمقاليد المال والقرار بعيداً عن الرقابة والقانون.
دولة الظل: "المشرف" أقوى من "الوزير"
لقد هندس الحوثيون، خاصة بعد تصفية حليفهم السابق علي عبد الله صالح في ديسمبر 2017، نظاماً موازياً أجهز على ما تبقى من مفهوم "الدولة". اليوم، تدار الوزارات والمؤسسات السيادية عبر شبكة معقدة من "المشرفين السلاليين" المرتبطين مباشرة بمكتب "صعدة". هؤلاء المشرفون هم الحكام الفعليون؛ يملكون حق النقض (الفيتو) على قرارات الوزراء، ويديرون الميزانيات الضخمة بعيداً عن السجلات الرسمية، مما حوّل الوزراء والمحافظين إلى مجرد "ديكورات بروتوكولية" لا يملكون من أمرهم ضراً ولا نفعاً.
"تسيير الأعمال".. هروب من استحقاقات السياسة
الاكتفاء بتكليف "محمد مفتاح" بتسيير الأعمال وتعيين بدلاء مؤقتين للقتلى، يكشف استراتيجية الحوثي في إبقاء السلطة في حالة "سيولة" دائمة. فالقائم بالأعمال في عرف الجماعة هو "سكرتير إداري" ينفذ الإملاءات الأمنية، وتجنب تشكيل حكومة جديدة يحرر القيادة الخفية من أي التزامات سياسية أو برامج خدمية تجاه المواطنين، ويحصر المسؤولية في دوائر أمنية وعسكرية مغلقة لا تعترف بالمساءلة.
العمل من "الخنادق": إدارة البلاد عبر الوسطاء
بعد الاختراق الاستخباراتي المذل في 28 أغسطس الماضي، انتقلت الحكومة الحوثية للعمل من "تحت الأرض" بالمعنى الحرفي. فرض جهاز "الأمن الوقائي" (المخابرات العقائدية للجماعة) نظاماً صارماً لعزل المسؤولين:
• المقرات المهجورة: الوزارات الرسمية باتت خالية إلا من الموظفين الصغار، بينما يختبئ "القادة" في بيوت سرية وأقبية مجهولة.
• دبلوماسية الأقارب: المعاملات الرسمية والقرارات لم تعد تمر عبر القنوات البيروقراطية، بل عبر وسطاء وسُعاة من الدائرة العائلية الضيقة للمشرفين.
• العزلة عن الواقع: أدت هذه الإجراءات إلى انفصال تام بين السلطة والشارع، وهو ما تجلى في الزيارة الخاطفة والسرية للقائم بأعمال رئيس الحكومة إلى محافظة إب، والتي قوبلت بسخرية واسعة كونها تمت خلف أسوار أمنية كثيفة ولم تلامس أوجاع الناس المنهكين من الأزمات.
الخلاصة: المليشيا لا تريد "دولة"
إن تعثر تشكيل الحكومة ليس فشلاً في اختيار الأسماء، بل هو قرار استراتيجي لترسيخ "اللامؤسسية". فالحوثيون يجدون في غياب الحكومة الرسمية مناخاً مثالياً لنهب الموارد، وإدارة الحرب، وقمع المعارضين دون غطاء قانوني قد يضطرون يوماً لتبريره.
في صنعاء اليوم، هناك "وزراء" يوقعون الأوراق، ولكن هناك "مشرفين" يملكون الختم والمال والبندقية.. وهذا التوازن المختل هو الجوهر الحقيقي لسلطة الحوثي التي تفضل العمل في الظلام دائماً.