اسرار | (عاجزون عن دفع الرواتب).. المدير الجديد لمصافي عدن يصارح العمال بانهيار غير مسبوق ويقود خطة إنقاذ أخيرة
عدن | متابعات خاصة
في مصارحة واضحة وصادمة تعكس عمق الأزمة الاقتصادية الخانقة، كشف المدير التنفيذي المعين حديثاً لشركة مصافي عدن، المهندس سعيد محمد بن محمد، عن تدهور مأساوي وغير مسبوق يعصف بالمنشأة النفطية العريقة، مؤكداً أن المصفاة تمر بأصعب منعطف إستراتيجي في تاريخها، لدرجة العجز التام عن تغطية أجور ورواتب موظفيها وعمالها.
وجاء ذلك في رسالة اتسمت بالمكاشفة والمصارحة، وجهها المهندس سعيد إلى كافة منتسبي الشركة بمناسبة تسلمه مهام عمله، واضعاً الجميع أمام الصورة القاتمة للمصفاة التي تحولت من رافد رئيسي للخزينة السيادية للبلاد إلى منشأة مكبلة بالخسائر والديون.
من تكرير "الذهب الأسود" إلى مجرد "مخزن" مهجور
وأوضح المدير التنفيذي أن العلة الإستراتيجية الكبرى تكمن في توقف المصفاة كلياً منذ سنوات عن ممارسة دورها المحوري والأصلي المتمثل في "تكرير النفط الخام". وأشار إلى أن نشاط الشركة انحصر طوال الفترة الماضية في تقديم خدمات تخزين المشتقات النفطية التابعة للتجار والقطاع الخاص مقابل رسوم وفتات مالي محدود لا يغطي النفقات الهيكلية للمنشأة.
مؤشرات الانهيار الحاد: حتى نشاط التخزين الهامشي لم يسلم من الركود؛ حيث أكد المهندس سعيد أن حركة استقبال السفن في أرصفة المصفاة شهدت تراجعاً مخيفاً خلال الآونة الأخيرة وباتت شبه نادرة، ما أدى إلى هبوط حاد وعميق في الإيرادات، مهدداً بوقف النفقات التشغيلية الأساسية للمصفاة وشلل قدرتها على الوفاء بمرتبات العاملين.
ووجه المدير الجديد نداء استغاثة إلى عمال ومنتسبي الشركة، داعياً إياهم إلى توحيد الصف والعمل بروح المسؤولية الوطنية القصوى لإنقاذ المصفاة من الانهيار الكلي، مطالباً بوقف أي ضغوط واحتجاجات تتعلق بتحسين الأوضاع المالية والامتيازات في الوقت الراهن، حتى تتمكن الإدارة من تأمين الأساسيات وتجاوز حافة الإفلاس.
خارطة طريق للإنقاذ: الاستعانة بالصين وسد فجوة الكفاءات
ورغم سوداوية المشهد، أعلن المدير التنفيذي عن ملامح خطة إنقاذ طارئة وضعتها القيادة الجديدة لإعادة الروح إلى المنشأة، مستعرضاً أبرز مسارات التشغيل المستقبلي:
• إحياء محطة الطاقة بالشراكة مع بكين: كشف المهندس سعيد أن الإدارة الجديدة تجري تحركات مكثفة لاستكمال مشروع محطة الطاقة التابعة للمصافي، من خلال استئناف التنسيق والتعاون المباشر مع الشركة الصينية المنفذة للمشروع، وهي الخطوة التي وصفها بأنها "حجر الزاوية" لإعادة تشغيل المنشأة واستعادة نشاطها التكريري والإنتاجي.
• نزيف العقول وسد العجز الفني: اعترف المدير بمعاناة المصافي من نقص حاد وصادم في الكفاءات الفنية المتخصصة، نتيجة هجرة ومغادرة العشرات من الكوادر الخبيرة خلال سنوات الركود. وتعهد بالعمل فوراً على إعادة تفعيل "مركز التدريب والتأهيل" التابع للمصفاة لبناء جيل جديد من الفنيين القادرين على إدارة غرف التشغيل المعقدة بكفاءة.
أبعاد الأزمة وأثرها على الاقتصاد الوطني
وتُصنف مصافي عدن، التي تأسست في خمسينيات القرن الماضي، كإحدى أهم القلاع الاقتصادية والإستراتيجية في اليمن وشبه الجزيرة العربية. ويرى خبراء اقتصاد أن استمرار شلل هذه المنشأة لا يؤثر فقط على مصير آلاف الأسر من موظفيها، بل يحرم خزينة الدولة من مليارات الدولارات، ويجعل أسواق المشتقات النفطية المحلية رهينة للمضاربة وجشع المستوردين واستنزاف العملة الصعبة لشراء الوقود من الخارج.
وتتصاعد اليوم الأصوات والمطالبات الشعبية والحكومية بضرورة أن تولي الحكومة المعترف بها دولياً ومجلس القيادة الرئاسي ملف "مصافي عدن" الأولوية القصوى، وتقديم الدعم المالي والسياسي للإدارة الجديدة، باعتبار أن إعادة تشغيل المصفاة هو المدخل الحقيقي والوحيد لتعافي الاقتصاد الوطني، وتحقيق الاستقرار التمويني، ووقف تدهور العملة المحلية.