اسرار سياسية | بالوكالة والأيديولوجيا.. كيف حوّل الحوثيون اليمن إلى منصة هيمنة إيرانية ومقبرة لفرص السلام؟
متابعات سياسية وتحليلات |
على مدى أكثر من عقد من الزمان، فشلت مليشيا الحوثي في تقديم نفسها كمشروع وطني جامع يعبر عن تطلعات ومصالح الشعب اليمني. وبدلاً من ذلك، كرّست الجماعة حضورها كذراع مسلحة ارتبط مسارها السياسي والعسكري بأجندات إقليمية توسعية، دافعةً باليمن نحو محرقة صراع عبثي دفع ثمنه ملايين المواطنين باهظاً على المستويات الإنسانية، الاقتصادية، والأمنية.
منذ الانقلاب المشؤوم على مؤسسات الدولة الشرعية في سبتمبر 2014، لم تتوقف ارتدادات المشروع الحوثي عند حدود إسقاط العاصمة والسيطرة على المقرات الحكومية، بل امتدت لتطال تفكيك الهوية الوطنية، وتجريف الاقتصاد الكلي، وتحويل مقدرات البلاد وثرواتها السيادية إلى أدوات لخدمة "اقتصاد الحرب" وتمويل النفوذ الخارجي.
تفكيك بنية الدولة وسلاح "الابتزاز الإنساني"
طوال سنوات الحرب المتطاولة، انتهجت المليشيا الحوثية استراتيجية "إدارة الأزمات لا حلها". وعمدت الجماعة بشكل ممنهج إلى توظيف الملفين الإنساني والاقتصادي كأوراق ضغط سياسية وعسكرية في جولات التفاوض، مستفيدة من قضمها لـموانئ البلاد الحيوية (وفي مقدمتها موانئ الحديدة) والسيطرة على الأوعية الإيرادية ومؤسسات الدولة المركزية.
وفي هذا السياق، يؤكد الكاتب الصحفي اليمني، سمير اليوسفي، أن جماعة الحوثي لم تكن يوماً مشروعاً وطنياً نابعاً من الداخل اليمني، بل ظهرت منذ بداياتها كأداة أيديولوجية هدفها إخضاع اليمن لرهانات إقليمية، وتحويل الجغرافيا اليمنية إلى ساحة نفوذ متقدمة تخدم الأجندة الإيرانية، دون أي اعتبار لهوية المجتمع أو مصالحه الحيوية.
ويضيف اليوسفي:
"منذ إحكام قبضتها على مؤسسات الدولة، عملت المليشيا على تفكيك البنية المؤسسية بشكل ممنهج، وحوّلت موانئ البلاد والوضع المعيشي الصعب للمواطنين – بما في ذلك شبح الجوع وانقطاع الرواتب – إلى أدوات لتعزيز النفوذ والسيطرة، بدلاً من معالجتها كأزمات وطنية تستوجب الحلول العاجلة."
اختطاف القرار السيادي وتحويل اليمن إلى ساحة صراع إقليمي
يرى مراقبون ومحللون سياسيون أن الحوثيين نجحوا في تحويل اليمن إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، بعد أن ربطوا قرار الحرب والسلم بالكامل بحسابات "محور المقاومة" التابع لطهران. وتجلى هذا الارتهان بوضوح في التماهي الكامل للخطاب السياسي والعسكري للحوثيين مع الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة، والذي ترجمته الجماعة عبر:
• شن الهجمات الصاروخية والطيران المسير العابر للحدود باتجاه دول الجوار.
• تهديد أمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وتحويل الممر المائي العالمي إلى خط نار.
• تغذية الصراعات الإقليمية على حساب دماء ومقدرات اليمنيين.
استراتيجية المليشيا: السلام كمحطة تكتيكية للتعبئة العسكرية
لم تتعامل الجماعة الحوثية مع أي مبادرة سلام أو تهدئة أممية أو إقليمية باعتبارها فرصة حقيقية لإنهاء الحرب، بل اتخذت من طاولات المفاوضات والهدن المؤقتة محطات تكتيكية لـ "إعادة التموضع العسكري"، وحشد المقاتلين، وترتيب الصفوف الميدانية.
ويشير المحللون إلى نمط سلوكي ثابت للمليشيا؛ فكلما اقتربت الجهود الدولية من تحقيق خرق أو اختراق إيجابي في جدار الملف اليمني، سارعت الجماعة إلى إشعال الجبهات ميدانياً، أو إطلاق التهديدات التصعيدية ضد الملاحة ودول الجوار، في محاولة لفرض وقائع جديدة على الأرض وتحسين شروطها التفاوضية عبر الاستقواء بالسلاح.
وحول هذا النمط، يوضح الصحفي سمير اليوسفي أن سلوك الحوثيين يعكس إصراراً على إفشال السلام، قائلاً: "إن كل دعوة دولية أو إقليمية للتهدئة وحقن الدماء، تُقابل من قِبل الجماعة بمزيد من التصعيد الميداني والخطابي، مما يعيد إنتاج حالة الحرب بشكل مستمر ويقوض أي مسار سياسي جاد."
قمع داخلي وجبايات تلتهم أقوات الجائعين
على الصعيد الداخلي، أفرز منطق القوة العسكرية البديل للتوافق الوطني بنية سلطوية قمعية قائمة على التعبئة العقائدية الطائفية، وإقصاء الخصوم السياسيين، وإحلال الولاء السلالي بدلاً من الكفاءة ومؤسسات الدولة.
وعلى الرغم من إحكام قبضتها الأمنية، لم تحقق الجماعة أي استقرار معيشي في مناطق سيطرتها، بل اتسعت في عهدها دوائر الفقر والبطالة، وشُلّ النشاط التجاري والاقتصادي نتيجة:
1. الجبايات والإتاوات التعسفية المستمرة تحت مسميات ومناسبات طائفية.
2. استمرار قطع مرتبات موظفي الدولة لأكثر من عشر سنوات متتالية.
3. تجريف الموارد العامة وتوجيهها بالكامل لصالح الـمجهود الحربي وإثراء قياداتها (الأثرياء الجدد).
هذا التناقض الصارخ عمّق من الانقسام الاقتصادي والنقدي بين المحافظات، وضاعف من حدة الأزمة الإنسانية التي تصنفها الأمم المتحدة كواحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في التاريخ الحديث.
المخرج الوحيد: استعادة الدولة وحصر السلاح
يؤكد خبراء ومحللون استراتيجيون أن مستقبل اليمن واستقراره لا يمكن أن يتحققا في ظل استمرار هيمنة المليشيات المسلحة، أو ارتهان القرار الوطني السيادي لمشاريع عابرة للحدود. إن المدخل الوحيد والشرعي لإنهاء حقبة الصراع يتمثل في:
• استعادة مؤسسات الدولة الرسمية وبسط نفوذها على كامل التراب الوطني.
• حصر السلاح واحتكاره بيد المؤسستين العسكرية والأمنية الرسمية.
• إطلاق عملية سياسية شاملة تستند إلى المرجعيات الثابتة، الشراكة الوطنية، وسيادة القانون.
ورغم قتامة المشهد الحالي، يختتم الكاتب الصحفي سمير اليوسفي رؤيته بنبرة تفاؤل وتأكيد على حتمية التاريخ، مشيراً إلى أن:
"اليمن – برغم تفاقم الأزمات وتكالب الظروف – يبقى تاريخياً وجغرافياً أوسع بكثير من مشاريع الهيمنة الطارئة، وأبقى من الجماعات المسلحة؛ فالمجتمع اليمني حي وقادر في نهاية المطاف على تجاوز حالة الارتهان للخارج، وإعادة بناء مستقبله على أسس وطنية جامعة وعروبية أصيلة."
يبقى التحدي الأكبر اليوم أمام اليمنيين والمجتمع الدولي هو الانفصال بين خطاب الحوثيين السياسي الذي يدعي الرغبة في السلام، وبين ممارساتهم على الأرض التي تثبت يوماً بعد آخر أنهم مشروع حروب مستدامة، يتغذى على معاناة المواطنين ويرهن مستقبل بلد بأكمله لأجندة طهران الإقليمية.