اسرار | (تحالف الضرورة).. دراسة تفكك خيوط الارتباط الاستراتيجي بين قرصنة الصومال وهجمات الحوثيين في خليج عدن
متابعات خاصة: أماطت دراسة حديثة صادرة عن مركز "سوث24 للأخبار والدراسات" اللثام عن تحولات أمنية وعسكرية خطيرة في منطقة القرن الإفريقي وجنوب البحر الأحمر، مؤكدة أن الارتداد المفاجئ لظاهرة القرصنة البحرية قبالة السواحل الصومالية لم يعد مجرد نشاط إجرامي تقليدي معزول، بل غدا انعكاساً وثيقاً وفصلاً مكملاً للموجة الجيوسياسية الراهنة التي أحدثتها هجمات جماعة الحوثي على خطوط الملاحة الدولية.
الدراسة، التي خطّها الباحث المتخصص في شؤون الأمن الإقليمي محمد فوزي تحت عنوان "من الصومال إلى باب المندب: تحولات البيئة الأمنية وعودة القرصنة البحرية"، تجاوزت المقاربات الكلاسيكية لملف القرصنة. ورسمت الدراسة خريطة ديناميكية تربط بين الانفلات الأمني الذي هندسه الحوثيون في مضيق باب المندب، وإعادة تشكيل أولويات القوى البحرية الدولية، وهو ما منح شبكات القرصنة الصومالية قبلة حياة وثغرة استراتيجية للعودة إلى الواجهة برداء أكثر تنظيماً وتوحشاً.
الفراغ العملياتي.. كيف خدم الحوثيون قراصنة الصومال؟
تطرح الدراسة تشخيصاً دقيقاً لآلية "تبادل المنفعة غير المباشرة" بين الجماعة المسلحة في اليمن وعصابات البحر في الصومال، مستندة إلى التحولات الميدانية التالية:
• تشتيت الردع الدولي: فرضت هجمات الحوثيين بالصواريخ البالستية، والمسيّرات، والزوارق الانتحارية واقعاً قتالياً معقداً، أجبر الأساطيل والقوات البحرية المشتركة (تحديداً التحالفات الدولية والأوروبية) على سحب قطعها الحربية وقدراتها الاستخباراتية من مناطق مكافحة القرصنة التقليدية، وتركيزها في جنوب البحر الأحمر لصد الهجمات الحوثية.
• ثغرة الفراغ الأمني: هذا التحول التكتيكي أوجد "منطقة رمادية" وفراغاً رقابياً هائلاً في الممر البحري الممتد بين خليج عدن والمحيط الهندي، استغلته شبكات القرصنة الصومالية على الفور لإعادة بناء هياكلها، وتحديث زوارقها، واستئناف قرصنة السفن التجارية بعد عقد كامل من الانكفاء والردع.
وتشير الدراسة إلى خطورة هذا النموذج؛ إذ تكشف الواقعة كيف يمكن لجماعة فاعلة من غير الدول (الحوثيين) أن تعيد إنتاج وبعث مهددات أمنية دولية كانت تبدو تحت السيطرة، ليس فقط عبر ممارساتها المباشرة، بل من خلال الآثار الارتدادية الكارثية التي تفرضها على المنظومة الأمنية الإقليمية برمتها.
تحالف الحوثي وحركة الشباب.. الجريمة تتجاوز العقيدة
وفي بُعد استقصائي أكثر خطورة، تتبعت الدراسة المؤشرات الاستخباراتية المتزايدة التي توثق قنوات اتصال مباشر وجسور تنسيق لوجستي بين جماعة الحوثي وحركة "الشباب" المتطرفة في الصومال.
وعلى الرغم من التناقض الأيديولوجي والعقائدي الصارخ بين الفصيلين، إلا أن دراسة مركز "سوث24" تؤكد أن براغماتية المصالح المشتركة تفوقت على الخلافات المذهبية. فحركة الشباب الصومالية تبحث بلهفة عن مصادر تسليح نوعية وممرات تمويل آمنة لتعزيز تمردها ضد الحكومة الصومالية، في حين يرى الحوثيون في بسط النفوذ على الضفة الإفريقية فرصة ذهبية لخلق أوراق ضغط إقليمية إضافية وتوسيع مسرح مأزق خصومهم الدوليين.
شبكات التهريب العابرة.. بنية تحتية موازية للإرهاب
وتحذر الدراسة من تحول خليج عدن إلى "ممر لوجستي مفتوح" لشبكات تهريب هجينة وعابرة للقارات، تمتد بين السواحل اليمنية والصومالية. هذه الشبكات لم تعد تقتصر على السلع؛ بل باتت تدير تدفقاً منظماً لـ:
1. السلاح المهرب والذخائر المتطورة والمكونات التقنية للمسيرات.
2. الكوادر البشرية المدربة والمقاتلين العابرين للحدود.
3. الأموال السائلة والمخدرات لتمويل العمليات.
هذه البنية التحتية الموازية أسهمت في تلاشي الحدود الفاصلة بين الإرهاب، والقرصنة، والجريمة المنظمة، مما خلق فضاءً فوضوياً واحداً ومترابطاً يصعب تفكيكه بالوسائل التقليدية.
مأزق الملاحة الدولية ومستقبل التوازنات
تخلص الدراسة إلى أن استمرار هذا التداخل العضوي بين الإرهاب الحوثي والقرصنة الصومالية سيقود الاقتصاد العالمي نحو خسائر تراكمية باهظة، من خلال الإبقاء على حالة الاستنفار العسكري الدولي، ودفع شركات الشحن العالمية إلى اتخاذ طرق بديلة أطول وأكثر كلفة (مثل طريق رأس الرجاء الصالح)، مما يرفع أسعار السلع عالمياً.
وتختم الدراسة بالتأكيد على أن مجابهة عودة القرصنة في القرن الإفريقي لم تعد ملفاً محلياً مرتبطاً بهشاشة الدولة الصومالية؛ بل هي امتداد لمعادلة تصفير التهديدات في البحر الأحمر. وأي استراتيجية دولية تسعى لتأمين التجارة العالمية يجب أن تنظر إلى ضفتي خليج عدن كجبهة واحدة، تبدأ بقطع دابر التمويل والتسليح الحوثي، وتنتهي بتجفيف منابع شبكات الجريمة والقرصنة في الصومال، لإعادة ترميم بنية الأمن البحري المتآكلة في واحدة من أكثر جغرافيا العالم حساسية واستراتيجية.