اسرار | بالاسماء والتفاصيل- صنعاء في قبضة "بورصة العطش".. جبايات حوثية تخنق الأسر ومياه ملوثة تهدد الأرواح

اسرار | بالاسماء والتفاصيل- صنعاء في قبضة "بورصة العطش".. جبايات حوثية تخنق الأسر ومياه ملوثة تهدد الأرواح

تقرير : هشام علي:

لم يعد الحصول على المياه في العاصمة المختطفة صنعاء مجرد خدمة أساسية مرتبطة بالحياة اليومية، بل تحول إلى معركة مرهقة تخوضها آلاف الأسر في ظل تصاعد الأعباء الاقتصادية وتدهور الخدمات العامة.

وخلال الأسابيع الأخيرة، شهدت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في صنعاء وغيرها من المناطق المنكوبة بمليشيا الحوثي الإرهابية، ارتفاعات حادة تجاوزت 50 في المائة، بالتزامن مع انقطاعات متكررة لشبكات المياه، ما دفع السكان إلى اللجوء لخيارات بديلة أكثر كلفة وأقل أماناً صحيًا.

ويقول سكان، إن الأزمة لم تعد مقتصرة على ندرة المياه أو ارتفاع أسعارها، بل باتت مرتبطة بسياسات تضييق وابتزاز اقتصادي تمارسها مليشيا الحوثي، عبر قطاع المياه والصرف الصحي الخاضع لسيطرتها، حيث يجري قطع الإمدادات عن أحياء سكنية كاملة بحجة وجود "مديونيات مستحقة"، رغم تدهور الخدمة وعدم انتظام الضخ لفترات طويلة.

ويقضي الأهالي في أحياء متفرقة من صنعاء، أيامًا طويلة في انتظار وصول المياه عبر الشبكات العامة، لكنهم غالبًا ينتهون إلى شراء المياه من الصهاريج الخاصة "الوايتات"، أو من محطات تجارية تعتمد على آبار عشوائية لا تخضع لأي رقابة صحية.. هكذا تضاعفت معاناة الأسر مع الارتفاعات الأخيرة، فضلًا عن المعاناة الناتجة عن توقف الرواتب، واتساع رقعة البطالة والفقر.

ميزانية العطش تبتلع الدخل المحدود

يحاول عبدالرحمن محمد، وهو عامل في محل لبيع الملابس بالعاصمة المختطفة صنعاء، التكيف مع موجة الغلاء الجديدة التي طالت المياه المعدنية.. يقول لـ"الساحل الغربي"، إن أسرته كانت تعتمد بشكل يومي على عبوات المياه المخصصة للشرب والطهي، إلا أن الزيادة الأخيرة أجبرتهم على تقليص استهلاكهم بشكل كبير.

يوضح الرجل أن أسرته كانت تشتري يوميًا ما يقارب ثماني عبوات سعة لتر ونصف اللتر، بكلفة إجمالية تقارب 1200 ريال يمني بالعملة القديمة، لكن السعر قفز خلال الأيام الماضية إلى نحو 1800 ريال، وهو مبلغ يفوق قدرتهم الشرائية في ظل غياب أي زيادة في الدخل.

ويضيف أن العائلة لم تعد قادرة على استخدام المياه المعدنية لأغراض الطهي كما في السابق، واضطرت إلى تخصيصها للشرب فقط، رغم مخاوفها من استخدام مصادر أخرى غير مأمونة صحيًا، مؤكدًا أن الخيارات المتاحة جميعها سيئة ومكلفة، لكن الفقر يدفع الناس إلى قبول ما يمكنهم تحمله.

ويشير في حديثه إلى أن معاناته ليست حالة استثنائية، فمعظم سكان صنعاء باتوا يعتمدون على حلول مؤقتة وغير مستقرة للحصول على المياه، وسط انهيار شبه كامل للخدمات العامة المرتبطة بالمياه والصرف الصحي.

إمدادات مشلولة وجبايات تسبق الضخ

تزامنت الزيادة في أسعار المياه مع توسع عمليات قطع الإمدادات عن منازل السكان، في خطوة يقول سكان ومصادر محلية إنها تهدف إلى إجبار المشتركين على دفع رسوم ومطالبات مالية متراكمة، يصفها كثيرون بأنها غير قانونية ومبالغ فيها.

وتشير مصادر لـ"الساحل الغربي"، إلى أن مليشيا الحوثي تستخدم ملف المياه كمصدر إضافي للإيرادات، عبر سياسة مزدوجة تبدأ بقطع الخدمة عن السكان، ثم دفعهم لاحقًا لشراء المياه من القطاع الخاص بأسعار مرتفعة، في حين تُفرض في الوقت ذاته جبايات ورسوم إضافية على ملاك محطات المياه والصهاريج.

وبحسب المصادر، فإن كل موجة انقطاع للمياه تتبعها زيادة في أسعار صهاريج المياه، نتيجة الرسوم المفروضة على عمليات البيع والنقل، الأمر الذي ينعكس مباشرة على المستهلك النهائي.

ويؤكد سكان أن الحصول على المياه عبر الشبكات العامة لم يعد منتظمًا منذ سنوات، لكن الأزمة تفاقمت خلال الأشهر الأخيرة بصورة غير مسبوقة، حيث أصبحت بعض الأحياء تنتظر أسابيع كاملة دون وصول المياه، بينما تُلزم بدفع رسوم اشتراك وفواتير بصورة مستمرة.

معاناة يومية.. أسعار مضاعفة

في ظل تراجع ضخ المياه، أصبحت الصهاريج الخاصة المصدر الرئيسي للمياه المنزلية في صنعاء وغيرها من المناطق المنكوبة بمليشيا الحوثي، إلا أن أسعارها شهدت بدورها قفزات كبيرة خلال الفترة الأخيرة.

ووصل سعر صهريج المياه الواحد إلى نحو 15 ألف ريال يمني بالعملة القديمة، بعدما كان يباع سابقاً بنحو 7500 ريال فقط، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 100 في المائة خلال فترة قصيرة.

ويقول أكرم قاسم، وهو عامل بناء يعمل بالأجر اليومي، إن شراء المياه أصبح يستنزف الجزء الأكبر من دخله المحدود، موضحًا أنه كان بالكاد قادراً على توفير ثمن "وايت" مياه كل أسبوع أو عشرة أيام، لكن الأسعار الجديدة جعلت الأمر أكثر صعوبة.

ويضيف الرجل أن أسرته اضطرت إلى تقليل استهلاك المياه إلى الحد الأدنى، سواء في الاستحمام أو الغسيل أو الاستخدامات المنزلية الأخرى، مشيرًا إلى أنهم يلجؤون أحياناً إلى شراء مياه شرب من محطات رخيصة وغير موثوقة، ثم يقومون بغليها قبل الاستخدام لتقليل المخاطر الصحية.

ويصف الوضع بأنه "معركة يومية للبقاء"، مؤكدًا أن كثيرًا من العائلات أصبحت تختار بين شراء الغذاء أو توفير المياه، لافتًا إلى أن المليشيا الحوثية لم تكتفِ بقطع رواتب المتقاعدين والموظفين والمعلمين، بل تضاعف معاناة اليمنيين في المناطق المحتلة، وتدفع بالشعب نحو المجاعة، وسط توقف أنشطة المنظمات والمساعدات الإغاثية.

الآبار العشوائية.. قنبلة موقوتة تهدد السكان

مع ارتفاع أسعار المياه المعدنية، وتراجع قدرة السكان في المناطق المنكوبة بالمليشيا على تحمل تكلفتها، توسع الاعتماد على محطات خاصة تستخرج المياه من آبار عشوائية منتشرة في أطراف صنعاء ومحيطها، دون وجود رقابة صحية فعلية على جودة المياه أو سلامتها.

ويحذر مختصون، من أن استمرار الاعتماد على هذه المصادر قد يؤدي إلى زيادة انتشار الأمراض المرتبطة بتلوث المياه، خصوصًا في ظل ضعف الرقابة وتدهور البنية التحتية للصرف الصحي.

ويؤكد سكان أن الكثير من الأسر باتت تشتري المياه بناءً على السعر فقط، دون القدرة على التحقق من مصدرها أو صلاحيتها للاستهلاك، نتيجة الضغوط الاقتصادية المتزايدة.

ويشير كثيرون إلى أن الحفر العشوائي للآبار ازداد بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة، مستفيدًا من غياب التنظيم والرقابة، الأمر الذي يهدد المخزون الجوفي للمياه في صنعاء.

مصانع المياه تحت مقصلة الجمارك المستحدثة

تكشف مصادر لـ"الساحل الغربي"، أن الارتفاعات الأخيرة في أسعار المياه المعدنية مرتبطة بالرسوم والجبايات التي تفرضها مليشيا الحوثي الإرهابية على المصانع والشركات العاملة في هذا القطاع.

وتقول المصادر، إن المليشيا بدأت بفرض مبالغ إضافية جديدة على المصانع، دون توضيح طبيعتها القانونية أو أسبابها، مع تحذيرات مباشرة بعدم الاعتراض أو إثارة القضية إعلاميًا.

وتضيف المصادر، أن الضغوط المالية تبدأ منذ وصول المواد الخام إلى المنافذ الجمركية المستحدثة على مداخل مناطق سيطرة مليشيا الحوثي، حيث تُفرض رسوم متعددة تحت مسميات مختلفة، إضافة إلى عراقيل متعلقة بالأرقام الضريبية والجمركية.

ويرى مراقبون أن هذه الممارسات أدت إلى ارتفاع كلفة الإنتاج بصورة مباشرة، وهو ما انعكس سريعًا على أسعار البيع للمستهلكين، خصوصًا قطاع المياه المعدنية الذي يعتمد بشكل أساسي على النقل والتعبئة والمواد المستوردة.

أزمة تتجاوز العطش

لا تبدو أزمة المياه في صنعاء مجرد أزمة خدمات عابرة، بل تعكس جانبًا من الانهيار الأوسع الذي تعيشه المدينة تحت وطأة الحرب الحوثية والاقتصاد المنهك، فالحصول على الماء، الذي يفترض أن يكون حقًا أساسيًا، تحول بالنسبة لكثير من الأسر إلى عبء مالي ونفسي يومي.

ومع استمرار تراجع الخدمات وغياب أي مؤشرات على حلول قريبة، يخشى السكان من اتساع الأزمة خلال الأشهر المقبلة، خصوصًا مع ازدياد الطلب على المياه.

وبين شبكات مياه مقطوعة، وصهاريج مرتفعة الثمن، ومصادر غير آمنة، يجد ملايين اليمنيين أنفسهم عالقين في دائرة قاسية، يصبح فيها الماء سلعة مرهقة لا يملك الجميع القدرة على الوصول إليها.