اسرار | بالتفاصيل- المثلث الملتهب: "النووي، الملاحة، والوكلاء".. كيف تُهندس طهران استراتيجية "خنق المضائق" لانتزاع اعتراف دولي؟
دخل الصراع "الأميركي–الإيراني" نفقاً جديداً من عض الأصابع، حيث يسود حالياً سيناريو "اللا حرب واللا سلم" عبر وقف إطلاق نار ضمني وهش. وبينما نجحت واشنطن في فرض تبريد جزئي للجبهة اللبنانية، ظلت المعضلة النووية وأمن الملاحة الدولية "عقدة المنشار" في مفاوضات إسلام آباد الأخيرة. وفي هذا المشهد المعقد، تبدو استراتيجية ترامب واضحة: إيقاف المدافع مع استدامة "الحصار البحري" كأداة خنق تفاوضية طويلة الأمد.
المأزق الإيراني: استنزاف الصمت أم مخاطرة الفعل؟
تدرك طهران أن "الهدنة المؤقتة" هي فخ استراتيجي؛ فهي تستنزف اقتصادها المتداعي وتمنح خصومها (واشنطن وحلفاءها) ترف الوقت للحشد والتذخير العسكري. لذا، تجد إيران نفسها أمام ثلاثة خيارات أحلاها مرّ:
1. قوننة الجباية في هرمز: محاولة فرض رسوم عبور في مضيق هرمز من جانب واحد، وهي خطوة تفتقر للمشروعية الدولية وتتطلب ضوءاً أخضر (صعب المنال) من سلطنة عُمان.
2. الانفجار الاستباقي (التصعيد المحسوب): العودة لسياسة استهداف المصالح الحيوية في الخليج وتوسيع "خنق المضائق" ليشمل باب المندب وقناة السويس، لبعثرة أوراق الخصوم قبل اكتمال جاهزيتهم لحملة عسكرية ثالثة.
3. المقايضة الكبرى (خيار "مناورة عراقجي"): وهو المسار المرجح حالياً، حيث تعرض طهران "فتح هرمز" مقابل إنهاء الحصار وضمان عدم تجدد الحرب، مع تجميد الملف النووي بعيداً عن ضغوط التفاوض المباشر.
معادلة "تقشير الطبقات" مقابل "العتبة النووية"
يصطدم عرض طهران بعقبة "عناد ترامب"؛ فالرئيس الأميركي لن يتنازل بسهولة عن ورقتي "الحصار" و"الخيار العسكري". ومع ذلك، قد ينزلق الطرفان إلى تفاهم ضمني: "فك الحصار مقابل حرية الملاحة"، مع منح مهلة زمنية للملف النووي. لكن هذا التفاهم لن يمنع واشنطن من استئناف سياسة "تقشير طبقات القوة الإيرانية" عبر حملات عسكرية جراحية مستقبلاً إذا لم تقبل طهران بـ"صفقة القرن النووية" بشروط أميركية مفرطة.
اليمن.. من "ورقة ضغط" إلى "نموذج جباية سيادي"
في حال فشل "خيار عراقجي" واستمرار الحشد الأميركي، سيتحول اليمن إلى الذراع الأقوى في سياسة إيران الدفاعية. وهنا تبرز خطورة التحول في الخطاب الإيراني؛ فطهران لم تعد تتعامل مع باب المندب كمجرد ساحة لتعطيل الملاحة، بل كمنصة لتصدير "نموذج الجباية الثورية".
وتتجلى هذه الخطورة في تصريحات "علي خزريان" (عضو لجنة الأمن القومي بالبرلمان الإيراني)، التي ترسم ملامح "نظام عالمي بديل" في المضائق:
"على السفن المارة بباب المندب الاختيار: إما دفع ضريبة الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح (30 مليون دولار)، أو دفع (إتاوة عبور) بقيمة 5 ملايين دولار لصالح القوات اليمنية (الحوثيين) مقابل ممر آمن."
الخلاصة: استراتيجية "القرصنة المشروعة"
إن ما يحدث اليوم هو محاولة إيرانية لشرعنة نفوذها على الممرات المائية الدولية عبر وكلائها. فإذا نجحت في فرض "رسوم العبور" في باب المندب، ستكون قد حققت اختراقاً استراتيجياً يحول الملاحة الدولية إلى رهينة دائمة، ويجعل من "الحوثيين" شريكاً إجبارياً في الاقتصاد العالمي، مما يمنح طهران رئتين للتنفس بعيداً عن رئة "النووي" التي يحاول الغرب خنقها.
السؤال يبقى: هل يقبل العالم بـ"خصخصة المضائق" تحت تهديد المسيرات الإيرانية، أم أن الانفجار الكبير في البحر الأحمر بات مسألة وقت؟