اسرار | فخ الهدن المؤقتة: من ستوكهولم إلى باب المندب.. استراتيجية الحوثي في المراوغة وتحصين المكاسب على حساب الشرعية

اسرار | فخ الهدن المؤقتة: من ستوكهولم إلى باب المندب.. استراتيجية الحوثي في المراوغة وتحصين المكاسب على حساب الشرعية

هدنٌ تُجمّد الحرب.. كيف رسّخ الحوثيون مكاسبهم على حساب انحسار نفوذ الشرعية؟

وليد العمري : 

فخ الهدن المؤقتة: من ستوكهولم إلى باب المندب.. استراتيجية الحوثي في المراوغة وتحصين المكاسب

منذ انقلاب مليشيا الحوثي، الذراع الإيرانية في اليمن، على السلطة الشرعية في سبتمبر 2014، يتكرر نمط واضح في مسار الحرب؛ إذ يعمد الحوثيون إلى فرض واقع ميداني بالقوة عبر التصعيد العسكري، تعقبه جهود إقليمية ودولية لخفض التصعيد، دون معالجة جذرية للوقائع القائمة على الأرض. فضلا على نكث الاتفاقات والهدن بشكل مستمر ومتكرر. ونتيجة لهذا المسار، تحتفظ المليشيا بكل ما تحققه من مكاسب عسكرية في المحطات المفصلية، مقابل تراجع مستمر في قدرة الحكومة الشرعية على استعادة المناطق والمؤسسات التي فقدتها.

محطات.. وسيناريو واحد

وتكشف المحطات الميدانية المفصلية عن سيناريو متكرر لتثبيت مكاسب المليشيا. فبعد اجتياح العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر 2014، وفرار رئيس الجمهورية عبدربه منصور هادي إلى العاصمة السعودية الرياض، اندلعت معارك عنيفة بين المليشيا وقوات الحكومة الشرعية، بدعم من التحالف العربي الذي تقوده السعودية، في عدد من جبهات صعدة وحجة والجوف ومأرب وتعز والضالع والساحل الغربي والبيضاء. واستمر القتال حتى جاء اتفاق ستوكهولم في ديسمبر 2018، ليوقف معركة تحرير الحديدة، بعد أن كانت القوات قد توغلت في عدد من شوارع المدينة عاصمة المحافظة، دون أن تستعيد الدولة سيطرتها على المدينة وموانئها.

ومع مطلع عام 2020، شن الحوثيون هجومًا واسعًا على جبهات نهم، أعقبه انسحاب للقوات الحكومية، قبل أن تسيطر المليشيا على مديرية نهم وأغلب مديريات محافظة الجوف، ما أسهم في تشديد الضغط العسكري على مأرب.

وفي نوفمبر 2021، أدى انسحاب القوات المشتركة من مناطق واسعة في الدريهمي وبيت الفقيه والجراحي، وإعادة تمركزها في حيس والخوخة بالساحل الغربي، تنفيذًا لاتفاق الحديدة الذي أبرمته الشرعية مع الحوثيين برعاية أممية، إلى إتاحة المجال أمام الحوثيين لملء الفراغ.

وفي أبريل 2022، دخلت الهدنة الأممية حيز التنفيذ. ورغم إسهامها في خفض حدة المواجهات، وتسهيل الرحلات عبر مطار صنعاء، وتدفق المشتقات النفطية، فإنها لم تفضِ إلى تسوية سياسية شاملة أو إنهاء الانقلاب. ومع استمرار الانقسامات داخل المعسكر المناهض للحوثيين عقب تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، وتصاعد الهجمات الحوثية على الملاحة في البحر الأحمر خلال الأعوام التالية، اتسعت الأبعاد الإقليمية للصراع على حساب الأولوية الوطنية المتمثلة في استعادة الدولة.

وفي منتصف أغسطس الماضي، ومع تصاعد هجمات المليشيا بالصواريخ الباليستية على المخا ومعسكرات المقاومة الوطنية في الساحل الغربي، شهدت الجبهة عملية عسكرية دفعت خلالها طهران بعدد من القيادات والخبراء العسكريين في الحرس الثوري، على رأسهم عبدالرضا شهلائي، لقيادة المعركة.

وفي ظل هذه التطورات، تسبب انسحاب ألوية النصر، من مرتفعات الكدحة، التي تمثل خط الدفاع الوحيد من جهة المرتفعات الجبلية لمديريات الساحل، في اختراق جبهة الساحل الغربي، وإحراز تقدم ميداني والوصول إلى باب المندب في 10 سبتمبر الماضي، خصوصًا مع محدودية عمليات الإسناد الجوي. ثم اتجهت المليشيا غربًا، واجتاحت الحجرية ووصلت إلى ريف مدينة تعز، مستكملةً السيطرة على 13 مديرية في محافظتي الحديدة وتعز، وفرض الحصار على مدينة تعز. وعقب ذلك، بدأت تحركات إقليمية جديدة لخفض التصعيد، وسط تزايد المخاوف من أن تقتصر أي هدنة جديدة على تثبيت خطوط السيطرة الحالية لصالح الحوثيين.

تعدد التشكيلات العسكرية

ويرى مراقبون أن التدخل والضغط الدوليين لإيقاف القتال مع كل عملية عسكرية، منذ انقلاب المليشيا وما سبقه، دون معالجة نتائج التصعيد، يمنحان المليشيا فرصة لإعادة تنظيم صفوفها وتعزيز قدراتها وتوسيع نفوذها.

وتكمن الإشكالية في غياب الآليات والضمانات الكفيلة بمنع استغلال التهدئة لترسيخ المكاسب العسكرية لصالح ذراع إيران. وإلى جانب ذلك، أسهم الانقسام الكبير بين القوى المناهضة للمليشيا، وتعدد التشكيلات العسكرية، وتقاطعات ذلك مع المصالح الدولية والإقليمية، بصورة بارزة في منح المليشيا فرصًا عديدة سخّرتها في كل مرة لصالح مشروعها وتعزيز نفوذها.

ويتجاوز التحدي الحوثي حدود السيطرة العسكرية والسياسية ليطول مشروعًا أيديولوجيًا قائمًا على التعبئة العقائدية واحتكار السلطة. فكلما طال أمد سيطرة المليشيا، اتسعت فرصها لترسيخ مؤسساتها وشبكات نفوذها، وتوسيع عمليات تجنيد الأطفال وتغيير الهوية الوطنية، بما يؤسس لتهديد ديموغرافي وفكري مستدام ينعكس سلبًا على مستقبل اليمن وأمن المنطقة. وهو ما يجعل أي تفاهمات لا تستهدف تفكيك بنية هذا المشروع وسحب السلاح المنفلت مجرد معالجة مؤقتة للأزمة.

الهجمات الحوثية على عدن

إن تزايد الهجمات الحوثية الحالية بالصواريخ الباليستية على المدن المحررة في مقدمتها العاصمة المؤقتة عدن، يستوجب تحريك جميع الجبهات لمساندة جبهات ريف تعز وباب المندب وكهبوب والمضاربة مع اسناد جوي حقيقي ومكثف على مدار الساعة.

كما يحتّم على رئيس مجلس القيادة الرئاسي وأعضائه، والقوى الوطنية شمالًا وجنوبًا، توحيد الصفوف، ولملمة جراحات الماضي، ونبذ ثقافة التخوين والتعميم وتأجيل أي خلافات سياسية حتى تحقيق الهدف المحوري (استعادة الدولة)، ورفض أي محاولات لعقد هدنة ترسّخ تمدد الحوثيين وتوسعهم.