اسرار | بالتفاصيل- أزمة سيولة خانقة في مناطق سيطرة الحوثيين: قيود مالية غير مسبوقة وتصاعد السخط الشعبي بسبب أزمة الرواتب

اسرار | بالتفاصيل- أزمة سيولة خانقة في مناطق سيطرة الحوثيين: قيود مالية غير مسبوقة وتصاعد السخط الشعبي بسبب أزمة الرواتب

صنعاء | متابعات خاصة: 

في ظل ظروف معيشية بالغة التعقيد، تواجه سلطة جماعة الحوثي في العاصمة اليمنية صنعاء أزمة مالية وسيولة نقدية حادة ومتفاقمة، تنعكس تداعياتها المباشرة على الاستقرار الاقتصادي وقدرة المواطنين على تلبية احتياجاتهم الأساسية. وتتزامن هذه الأزمة مع عجز مستمر عن صرف حتى "نصف الراتب" للموظفين الحكوميين للشهر الرابع على التوالي، مترافقة مع حزمة من الإجراءات التنظيمية والتقييدية التي استهدفت القطاع المصرفي وشبكات الحوالات، وسط اتهامات واسعة بغياب الشفافية وازدواجية إدارة الموارد.

خنق القطاع المصرفي وتقييد الحوالات

وفي مسعى لمعالجة شح السيولة، فرضت الجماعة عبر "جمعية الصرافين اليمنيين" الخاضعة لسيطرتها حزمة إجراءات شملت إيقاف التعامل مع 31 منشأة صرافة. وحذرت مصادر مالية مطلعة من أن هذه القرارات، إلى جانب فرض اشتراكات "التصحيح" والقيود المتزايدة على نشاط الصرافة، تمثل أعباء إضافية هائلة قد تدفع بالعديد من المنشآت نحو الإغلاق أو مغادرة مناطق سيطرة الجماعة، الأمر الذي يهدد بتراجع ملحوظ في حركة التحويلات وتضييق قنوات تداول النقد.

وعلى صعيد الحوالات الخارجية، تشير التقارير إلى توجهات لتشديد الرقابة وتقييد استلام الأموال الواردة من الخارج، بعد إيقاف استقبالها عبر المحافظ الإلكترونية وحصرها في نطاق ضيق من شركات الصرافة المعتمدة، فضلاً عن تلويح البنك المركزي في صنعاء بفرض رسوم إضافية قبل تجميد القرار مؤقتًا. وتأتي هذه التطورات لتوجيه ضربة قاصمة للأسر التي تعتمد كلياً على تحويلات المغتربين لتغطية نفقات الغذاء والدواء والتعليم.

من جانبهم، يربط خبراء اقتصاديون ومصادر محلية جانبًا رئيسيًا من أزمة السيولة بسحب مبالغ نقدية ضخمة من القطاع المصرفي وإيداعها لصالح تمويل أنشطة وجهات غير معلنة، معتبرين أن هذه الممارسات أدت إلى تعميق أزمة الشح النقدي ومضاعفة معاناة السوق.

احتقان واسع وغياب الشفافية المالية

وفي موازاة الاختناقات النقدية، تتصاعد موجة الانتقادات الشعبية والنقابية ضد طريقة إدارة الملف المعيشي، حيث استهجن نشطاء وكتاب محليون استمرار الصمت الرسمي وعدم تقديم أي توضيحات من قِبل القيادات الحكومية في صنعاء – ممثلة بالقائم بأعمال رئيس الحكومة محمد مفتاح، ووزير المالية عبد الجبار الجرموزي – إزاء تأخر صرف المستحقات لأربعة أشهر متتالية.

ووصف ناشطون، بينهم عبد القوي الفقيه وعبد الملك الحضراني، استمرار تجاهل معاناة المعلمين والموظفين بالـ"ممارسات المهينة"، مشيرين إلى استمرار الموظفين في أداء أعمالهم رغم العجز عن تغطية أبسط تكاليف التنقل والمعيشة. وانتقد الحضراني ما وصفه بـ"ازدواجية التعامل مع الموارد المالية"، مشيراً إلى أن تذرع السلطات بشح الإمكانات يتناقض مع تعدد وتنوع مصادر الإيرادات الواقعة تحت سيطرتها، والتي تشمل الضرائب والجمارك والزكاة والأوقاف وقطاع الاتصالات والرسوم السيادية المختلفة.

اتهامات بالتمييز وغياب الرقابة البرلمانية

وفي سياق متصل، سلط الكاتب عبد الكريم جرموزي الضوء على ما وصفه بسياسة "التمييز القطاعي" المتبعة في صرف الرواتب، حيث تحظى جهات إيرادية بأولويات الصرف، بينما يُترك قطاع الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة والقضاء عرضة للحرمان والتهميش.

وانتقد جرموزي رفض وزير المالية الخضوع للمساءلة والمساءلة البرلمانية أمام مجلس النواب، معتبرًا أن غياب الرقابة البرلمانية على إدارة المال العام يكرس حالة الغموض ويفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول أولويات الإنفاق والجهات المستفيدة من الوفر المالي.

أزمة إدارة ومساءلة

لا تقتصر الأزمة الراهنة في صنعاء على كونها أزمة نقص في الأوراق النقدية فحسب، بل تمتد لتكشف عن أزمة هيكلية في الإدارة والشفافية ومساءلة المؤسسات. ففرض قيود صارمة على قطاع الصرافة والحوالات دون دراسات أثر معلنة أو بيانات شفافة، ينذر بمزيد من التعقيد الاقتصادي وتكريس الأعباء على كاهل المواطن البسيط.

وفي ظل استمرار تعليق مستحقات الموظفين وغياب الرؤية الرسمية الواضحة لمعالجة الاختناقات النقدية، تظل مؤسسات الدولة وسلطة الأمر الواقع في مواجهة اختبار حقيقي أمام الرأي العام بشأن الالتزام بالحد الأدنى من الحقوق المعيشية والمسؤولية القانونية والأخلاقية تجاه المواطنين.