اسرار | معادلة المضايق المتفجرة: باب المندب يربك الحسابات الاستراتيجية للصين بين طهران والرياض

اسرار | معادلة المضايق المتفجرة: باب المندب يربك الحسابات الاستراتيجية للصين بين طهران والرياض

وكالات | متابعات خاصة : خرج التصعيد العسكري المحتدم حول مضيق باب المندب من أطره الإقليمية الضيقة المعنية بالحرب اليمنية والمواجهة المباشرة بين التحالف العربي والميليشيات الحوثية، ليدخل رسمياً ضمن المدار الحيوي للحسابات الجيوسياسية الصينية. فقد ألقى تقدم الجماعة ميدانياً على شريط الساحل الغربي لليمن، وسيطرتها على جزر وحكام بحرية حاكمة، بظلاله الثقيلة على مصالح بكين الاقتصادية، واضعاً القيادة الصينية أمام اختبار معقد يتطلب الموازنة الدقيقة بين الشراكة الاستراتيجية مع طهران وضمان سلامة إمدادات الطاقة وحركة التجارة الدولية.

رسائل كواليس سريّة: بكين تضغط على طهران لاحتواء الذراع الحوثي

كشفت تسريبات دبلوماسية أوردتها وكالة "رويترز" عن ثلاثة مصادر إيرانية مطلعة، أن بكين وجهت طلبات صريحة ومباشرة إلى طهران، تحثها فيها على تفعيل خطوط نفوذها لدى الميليشيات الحوثية لكبح جماح تصعيدها البحري ومنع انفلات الصراع. وتأتي هذه التطورات في أعقاب تواصل سعودي-صيني عالي المستوى، دعت فيه الرياض بكين للتدخل الدبلوماسي العاجل عقب تحركات الحوثيين الميدانية الأخيرة على الساحل الغربي.

ورغم عدم الإفصاح عن القنوات الرسمية لنقل هذه الرسائل الصينية، إلا أنها تزامنت مع الحراك الدبلوماسي لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في بكين. وتعكس هذه التحركات تحولاً جوهرياً في الموقف الصيني من مجرد إطلاق الدعوات العامة لـ"ضبط النفس" إلى الانخراط المباشر والمشروط بحماية مصالحها التنموية.

من جانبها، أكدت وزارة الخارجية الصينية في تعليق رسمي أن بكين ترفض اتساع رقعة التوتر الإقليمي لتشمل اليمن والبحر الأحمر، مشددة على أن استمرار حالة عدم الاستقرار يضر بكافة الأطراف دون استثناء.

ميدانياً: تغيير المعالم العسكرية في مسرح البحر الأحمر

جاء هذا التحرك الدبلوماسي مكثفاً عقب تبدل خريطة السيطرة العسكرية في الساحل الغربي اليمني؛ إذ إن وصول الميليشيات إلى محيط مدينة المخا، وسيطرتها الفعليه على "جزيرة ميون" (بريم) الإستراتيجية المتحكمة بعنق المضيق، منح الجماعة قدرة غير مسبوقة على التهديد المباشر لأحد أهم الممرات البحرية عالمياً.

وكانت رويترز قد أفادت الأسبوع الماضي بأن الحوثيين وصلوا إلى جزيرة ميون، المعروفة أيضا باسم بريم، في خطوة عززت المخاوف من تشديد قبضتهم على أحد أهم طرق الشحن العالمية.

التشابك المعقد: أزمة مزدوجة في باب المندب وهرمز

وتزداد أهمية التطور بالنسبة إلى الصين بسبب تزامنه مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز. فقد أظهرت بيانات تتبع أولية أن ثلاث سفن تجارية فقط عبرت هرمز الأربعاء، مقابل 12 في اليوم السابق ومتوسط يومي بلغ 17 سفينة خلال عشرة أيام، بينما تراجعت أيضا حركة السفن عبر باب المندب.

وبذلك، تجد الصين نفسها أمام احتمال اضطراب ممرين بحريين متصلين بشبكة الطاقة العالمية في وقت واحد. وإذا كان هرمز يمثل البوابة الرئيسية لصادرات النفط الخليجية، فإن باب المندب يوفر الطريق البحري الذي يربط البحر الأحمر بقناة السويس والبحر المتوسط. وأي اضطراب طويل في المسارين يرفع تكاليف النقل والطاقة ويزيد الضغوط على الاقتصادات المستوردة للنفط، وفي مقدمتها الصين.

لكن بكين لا تتحرك من موقع الوسيط المحايد تماما. فالصين هي الشريك التجاري الأهم لإيران والمشتري الرئيسي لنفطها، كما تعتمد على إمدادات الطاقة القادمة من الخليج. ووفقا للبيانات التي أوردتها رويترز، شكلت المشتريات الصينية أكثر من 80 في المئة من صادرات النفط الإيرانية المنقولة بحرا خلال عام 2025، بمتوسط بلغ نحو 1.4 مليون برميل يوميا. كما يأتي جزء كبير من واردات الصين النفطية من منطقة الشرق الأوسط.

وهنا تظهر حدود النفوذ الصيني. فطهران تحتاج إلى بكين اقتصاديا واستراتيجيا في ظل العقوبات والحرب مع الولايات المتحدة، لكن المصادر الإيرانية التي تحدثت إلى رويترز قالت إن المصالح الصينية ليست سوى عامل واحد ضمن حسابات إيرانية متعددة. والأهم أن طهران لم تقدم، وفقا للمصادر، التزاما واضحا بالاستجابة للمطلب الصيني، بل ربطت استقرار المنطقة بإنهاء الحرب الأميركية والإسرائيلية عليها.

كما أن السؤال الأكثر تعقيدا يتعلق بمدى قدرة إيران نفسها على التأثير في قرارات الحوثيين. فحتى مع الاعتراف بالعلاقة الوثيقة بين الطرفين والدعم الإيراني للجماعة، فإن تحويل النفوذ السياسي والعسكري إلى قرار ملزم بوقف التصعيد في باب المندب يظل مسألة مختلفة، خصوصا في ظل تطور الحرب اليمنية وتداخلها مع المواجهة الإقليمية الأوسع.

وتملك الصين ورقة أخرى في هذا السياق هي تجربتها الدبلوماسية السابقة مع السعودية وإيران. فقد لعبت بكين في 2023 دورا في الاتفاق الذي أعاد العلاقات بين الرياض وطهران، ما منحها صورة الوسيط القادر على التواصل مع الطرفين. لكن أزمة باب المندب تختبر هذه القدرة في ظرف أكثر تعقيدا، لأن المطلوب هذه المرة ليس فقط التقريب بين دولتين، وإنما التأثير في مسار جماعة مسلحة تتحرك داخل حرب مفتوحة.

لذلك، فإن دخول باب المندب في الحسابات الصينية لا يعني أن بكين قررت الانخراط عسكريا أو تحمل مسؤولية أمن البحر الأحمر. الأرجح أن مصالحها تدفعها أولا إلى استخدام الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية المتاحة لديها لدى طهران، ومحاولة منع الأزمة من الوصول إلى مستوى يهدد تجارتها وإمداداتها النفطية بصورة أوسع.

ويبقى الاختبار الحقيقي في مدى استعداد الصين للانتقال من الرسائل الدبلوماسية إلى ممارسة نفوذ فعلي. فإذا نجحت بكين في دفع طهران إلى احتواء التصعيد الحوثي، فإن ذلك سيعزز موقعها كقوة قادرة على التأثير في أزمات الشرق الأوسط.

أما إذا استمرت الهجمات واضطربت الملاحة في باب المندب بالتزامن مع أزمة هرمز، فستجد الصين نفسها أمام كلفة استراتيجية واقتصادية متزايدة، وستصبح حدود نفوذها على طهران أكثر وضوحا.