اسرار | معركة الساحل واختبار باب المندب - الحوثيون يعيدون ترتيب العلاقة السعودية الإماراتية | تحليل
تحليل : صحيفة العرب اللندنية |
لم يكن التقدم الحوثي على الساحل الغربي لليمن مجرد تحول جديد في خريطة الحرب اليمنية، بل بدأ يفرض إعادة ترتيب للأولويات الخليجية، وفي مقدمتها العلاقة بين السعودية والإمارات. فسيطرة الحوثيين على المخا واقترابهم من باب المندب، وصولاً إلى جزيرة ميون، وضعت أمن الملاحة والنفط في قلب الحسابات السعودية والإماراتية، وأعادت إلى الواجهة سؤال التنسيق بين دولتين تباعدت مواقفهما خلال السنوات الأخيرة حول إدارة الملف اليمني.
وفي مؤشر على محاولة إعادة تنشيط التنسيق بين الرياض وأبوظبي، تلقى وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان اتصالاً هاتفياً من نظيره الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، بحثا خلاله التطورات المتسارعة في المنطقة والجهود المبذولة لاحتواء التصعيد، مع التأكيد على أهمية توحيد المواقف وتعزيز التشاور ودعم العمل الخليجي المشترك بما يحفظ أمن المنطقة ومقدراتها.
ويأتي الاتصال في وقت تتعرض فيه السعودية لاستهدافات متزامنة على أكثر من مسار. فإلى جانب تهديد الحوثيين للممرات البحرية والمنشآت النفطية، تعرض خط أنابيب الشرق والغرب لهجوم بطائرات مسيرة انطلقت من الأراضي العراقية، ما دفع الرياض إلى وقف تشغيل الخط مؤقتاً، في تطور زاد حساسية الوضع الأمني حول طرق تصدير النفط السعودية.
في المقابل، لا تستطيع الإمارات التعامل مع السيطرة الحوثية على باب المندب باعتبارها مشكلة سعودية فقط. فأبوظبي بنت جانباً مهماً من نفوذها الإقليمي خلال السنوات الماضية على الموانئ وخطوط الملاحة والجزر والممرات البحرية، ولذلك فإن تحول الساحل اليمني إلى مجال نفوذ حوثي يضع المصالح الإماراتية في البحر الأحمر وخليج عدن أمام تحد مباشر.
قد يكون هذا هو العامل الذي يدفع العلاقة السعودية الإماراتية إلى الخروج مؤقتاً من منطق التنافس إلى منطق المصالح المشتركة. فقد أظهرت السنوات الأخيرة أن البلدين لا ينظران بالطريقة نفسها إلى مستقبل اليمن. الرياض تميل إلى الحفاظ على يمن موحد وسلطة مركزية قادرة على حماية حدودها، بينما دعمت أبوظبي قوى جنوبية محلية ذات أجندات مختلفة، ما جعل الساحة اليمنية أحد أبرز ميادين التباين بينهما. وتؤكد دراسات حديثة أن الخلاف حول اليمن تحول خلال 2025 و2026 من منافسة مُدارة إلى خلاف أكثر وضوحاً.
لكن السيطرة الحوثية على الساحل الغربي تخلق معادلة مختلفة. فالمشكلة لم تعد تتعلق فقط بمن يملك النفوذ داخل الجنوب اليمني، وإنما بمن يملك القدرة على التأثير في واحد من أهم الممرات البحرية في المنطقة. ومع اضطراب مضيق هرمز في الوقت نفسه، تصبح المخاطر على طرق الطاقة والتجارة أكثر ترابطاً، وتصبح أي ثغرة في باب المندب مشكلة خليجية مشتركة.
وتشير التطورات الإقليمية إلى أن دول الخليج باتت أكثر ميلاً إلى البحث عن ترتيبات لتخفيف المخاطر بدلاً من الاعتماد الكامل على المظلة الأميركية. وتقول رويترز إن التقدم الحوثي على الساحل اليمني دفع دول الخليج إلى إعادة تقييم حساباتها، بالتزامن مع اتجاهها إلى الحوار مع إيران بشأن أمن الملاحة.
في هذا السياق، يصبح أي اتصال سعودي إماراتي أكثر أهمية من مجرد تنسيق دبلوماسي روتيني. فالمطلوب من الرياض وأبوظبي في المرحلة المقبلة ليس بالضرورة العودة إلى الصيغة التي حكمت تدخلهما في اليمن منذ 2015، وإنما منع تحول الخلافات السابقة إلى عامل يضعف القدرة على مواجهة خطر جديد أكثر مباشرة.
وقد يكون أمن باب المندب نقطة البداية. فالسعودية تحتاج إلى ضمان استمرار طرق تصدير النفط، والإمارات معنية باستقرار الموانئ وخطوط التجارة البحرية، بينما يحتاج الطرفان إلى منع الحوثيين من تحويل الساحل الغربي إلى ورقة ضغط دائمة على حركة السفن.
وهنا يمكن أن تتقاطع المصالح حتى مع اختلاف الحسابات بشأن شكل الدولة اليمنية. فالخلاف حول مستقبل الجنوب أو توزيع النفوذ بين القوى اليمنية يمكن تأجيله أو إدارته سياسياً، لكن إغلاق باب المندب أو تحويله إلى منطقة تهديد للملاحة يرفع كلفة الخلاف على الجميع.
الخلاف حول مستقبل الجنوب أو توزيع النفوذ بين القوى اليمنية يمكن تأجيله أو إدارته سياسياً، لكن إغلاق باب المندب يرفع كلفة الخلاف على الجميع
ولا يعني ذلك أن الخلاف السعودي الإماراتي انتهى. فالتنافس بين البلدين أوسع من اليمن، ويمتد إلى ملفات إقليمية واقتصادية واستراتيجية مختلفة. كما أن تجربة السنوات الماضية أظهرت أن الاتفاق على مواجهة خصم مشترك لا يؤدي تلقائياً إلى تطابق في الرؤى.
لكن الحوثيين قد يكونون، من حيث لا يريدون، قد فرضوا على الرياض وأبوظبي اختباراً مختلفاً للعلاقة. فبدلاً من السؤال القديم حول من يمتلك النفوذ الأكبر في جنوب اليمن، يبرز الآن سؤال أكثر إلحاحاً: كيف يمكن حماية باب المندب ومنع امتداد الحرب إلى أمن الطاقة والتجارة؟
وإذا نجحت السعودية والإمارات في بناء حد أدنى من التنسيق حول هذا الهدف، فقد يتحول التهديد الحوثي إلى عامل يعيد ضبط العلاقة بينهما، من دون أن يعني ذلك بالضرورة عودة التحالف القديم بصيغته السابقة.
أما إذا بقيت الخلافات الداخلية حول القوى اليمنية أقوى من الخطر المشترك، فقد يجد الحوثيون مساحة أوسع لترسيخ مكاسبهم على الساحل. وهذا تحديداً ما يجعل باب المندب اختباراً للعلاقة السعودية الإماراتية بقدر ما هو اختبار للقدرة على احتواء الحوثيين.
فما عجزت الخلافات السياسية عن توحيده بين الرياض وأبوظبي، قد يفرضه هذه المرة خطر واحد: أمن البحر الأحمر وباب المندب والنفط الخليجي.
ولا يتوقف أثر عودة التنسيق السعودي الإماراتي عند حدود العلاقة الثنائية، إذ يمكن أن يعطي دفعة جديدة لإعادة بناء التحالف العربي على قاعدة مختلفة. فالسعودية أطلقت بالفعل تحالفاً بحرياً يضم مصر والسودان وقطر والبحرين والكويت والأردن وباكستان ودولاً أخرى لحماية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، لكن غياب الإمارات عن هذا الترتيب يظل ثغرة لافتة بالنظر إلى حضورها السابق في اليمن وخبرتها وعلاقاتها مع قوى يمنية محلية.
وإذا تمكنت الرياض وأبوظبي من تجاوز جزء من خلافاتهما، فقد يصبح ممكناً تطوير هذا الإطار من ترتيبات لحماية الملاحة إلى مظلة أوسع للتنسيق السياسي والأمني، وربما فتح الباب أمام مشاركة خليجية وعربية أكثر فاعلية تشمل مصر والسودان وسوريا، بحسب طبيعة التطورات ومواقف هذه الدول.
وقد يكون التأثير الأكثر مباشرة داخل اليمن نفسه. فعودة التنسيق بين الرياض وأبوظبي يمكن أن تفتح الطريق أمام إعادة جمع قوى سياسية وعسكرية وأمنية تفرقت خلال السنوات الماضية بفعل اختلاف الرهانات الإقليمية. فقد دعمت الإمارات خلال سنوات الحرب قوى جنوبية وأمنية وعسكرية مختلفة، بينما احتفظت السعودية بعلاقات وثيقة مع قوى سياسية وعسكرية أخرى، وهو ما ساهم في تعدد مراكز القوة داخل المعسكر المناوئ للحوثيين.
وتظهر تطورات الأشهر الأخيرة أن جزءاً من هذه التشكيلات بات يُعاد دمجه في هياكل تابعة للحكومة اليمنية، ما يجعل التفاهم السعودي الإماراتي عاملاً يمكن أن يساعد في استكمال عملية توحيد القيادة والموارد والقرار العسكري.
ولا تعني عودة التنسيق أن جميع القوى اليمنية ستذوب في قيادة واحدة أو أن الخلافات حول مستقبل الجنوب وشكل الدولة ستختفي، وإنما يمكن أن تعني الاتفاق أولاً على أولوية واحدة: وقف تمدد الحوثيين ومنع تحويل باب المندب والساحل الغربي إلى منطقة نفوذ عسكري دائم.