اسرار | كيف تحول الجماعة (المناسبات الدينية) إلى موسم جبايات | الحوثيون يحتفلون بـ(المولد النبوي) من جيوب التجار والمواطنين
الحوثيون يحتفلون بـ(المولد النبوي) من جيوب التجار والمواطنين : يُلزمون ملاك الكهرباء الخاصة بتمويل الزينة الضوئية في مناطق سيطرتهم
صنعاء | تقرير خاص
حوّلت مليشيا الحوثي المناسبات الدينية، وفي مقدمتها ذكراك المولد النبوي، إلى موسم متجدد لفرض الجبايات واستنزاف القطاع الخاص، بعدما استهدفت هذه المرة ملاك المحطات الكهربائية التجارية (الخاصة) في العاصمة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرتها، عبر إجبارهم على تحمّل تكاليف تزيين وإنارة الشوارع والأحياء على نفقتهم الخاصة.
وبحسب وثائق وتعليمات صادرة عن ما يُسمى "وزارة الكهرباء والطاقة" في حكومة الحوثيين غير المعترف بها، أُلزم مالكو محطات التوليد الخاصة بتركيب شبكات زينة ضوئية مكثفة وشعارات خضراء تغطي كافة نطاقات تغذية كل محطة، تحت طائلة المساءلة والإغلاق، في استغلال صريح ومباشر للقطاع التجاري لتمويل الأنشطة والمظاهر الدعائية للجماعة.
ملايين الريالات كـ"فاتورة إكراه"
وتثير هذه التعاميم موجة سخط عارمة بين أوساط المستثمرين ورجال الأعمال، كونها تُحمّل القطاع الخاص أعباءً مالية باهظة دون أدنى مسوغ قانوني أو خدمات مقابلية من قبل المؤسسات الحكومية الخاضعة لسيطرة المليشيا.
وفي هذا السياق، انتقد الحقوقي والمحامي سنان منصر بيرق هذه الإجراءات، متسائلاً بتهكم: "هل النبي محمد نبي للأمة جمعاء، أم خصيصاً لأصحاب المحطات الكهربائية الخاصة لينفقوا على إحياء ذكراه بالقوة؟".
وأوضح بيرق أن إلزام كل محطة بتغطية مربعها التجاري بالكامل بالزينة والإضاءات الخضراء يُكلف المحطة الواحدة ملايين الريالات، لا سيما أن بعض المحطات تمتد خطوطها وتغطيتها لعدة كيلومترات. ولا تتوقف التكلفة عند شراء أدوات الزينة والمستلزمات الضوئية، بل تمتد لتشمل قيمة استهلاك الطاقة الكهربائية المفقودة طوال فترة الاحتفالات، وهو ما يضاعف الخسائر التشغيلية للمستثمرين الذين يعانون بالأساس من ارتفاغ أسعار الوقود والضرائب المضاعفة.
مخاوف المستثمرين واستغلال المناسبات
ولم تعد المناسبات الدينية بالنسبة للقطاع الخاص والشارع اليمني في مناطق سيطرة الحوثيين مجرد طقوس عبادية، بل تحولت إلى "كابوس استثماري" ومصدر قلق داهم لرجال الأعمال والتجار، بسبب الحملات الميدانية المسلحة التي ترافقها لجباية الأموال والقيام بالابتزاز المالي تحت مسميات "القوافل" و"المشاركات المجتمعية".
ويرى محللون اقتصاديون أن هذه الإجراءات تكشف عمق الأزمة الاستثمارية في صنعاء، حيث تُعامل الجماعة الحوثية القطاع الخاص كـ"بنك أهداف" لتمويل مشروعها العقائدي والإعلامي، وتغطية عجز مؤسسات الدولة المفلسة التي أديرت بالفساد والمحسوبية.
المواطن يُسدد الثمن مرتين
ولا تقف تداعيات هذه الجبايات عند حدود ملاك المحطات، بل تنعكس مباشرة على كاهل المواطنين والشرائح المستهلكة؛ إذ يلجأ مالكو الكهرباء الخاصة -تحت ضغط الخسائر الفرعية- إلى التلاعب بالتعرفة السعرية أو فرض رسوم "عدادات" وخدمات إضافية على المشتركين لتعويض ما تم اقتطاعه لصالح الفعاليات الحوثية.
وبذلك، تكشف سياسة "الإنارة القسرية" عن اتساع نطاق التدخل الحوثي في النشاط الاقتصادي وتجريف القطاع الخاص، وتحويل العاصمة صنعاء إلى ساحة للعروض الضوئية المجهزة بجهة الإكراه، في وقت يعاني فيه غالبية السكان من الفقر الفقع، وانقطاع المرتبات، وتدهور الخدمات الأساسية.