اسرار | بالاسماء والتفاصيل- شرعنة السطو على عقارات الدولة في إب: شبكات النفوذ الحوثية تعيد اقتسام الأصول العامة تحت غطاء الاستثمار
إب — "تقرير خاص"
تتسع في محافظة إب (وسط اليمن) دائرة الاستياء الشعبي والسخط السياسي جراء تصاعد عمليات الاستحواذ الممنهج على عقارات وممتلكات الدولة والأوقاف من قبل سلطات الأمر الواقع التابعة لجماعة الحوثيين. وتكشف المعطيات الميدانية عن آليات معقدة تُستخدم لشرعنة نهب الأصول العامة وتحويلها إلى استثمارات خاصة لصالح كبار النافذين والقيادات المقربة من دائرة صنعاء، تحت أغطية عقود استثمارية وتأجيرية صورية تلتف على القوانين النافذة.
معسكر الأمن المركزي: إعادة إنتاج عقد "المصادرة"
فُتح الملف مجددًا عقب معاودة تحريك مشروع استثماري خاص على أرضية معسكر الأمن المركزي سابقًا، الواقعة في "مفرق جبلة" عند المدخل الجنوبي لمدينة إب. وتعد هذه القطعة واحدة من أثمن الأراضي العقارية في المحافظة وتُقدر قيمتها السوقية بمليارات الريالات.
وكان هذا المشروع قد توقف قبل نحو عامين تحت ضغط حملة رفض شعبية وإعلامية واسعة، عقب تسريبات كشفت عن مساعٍ لتسليم الموقع لرجل الأعمال النافذ فارس مناع. غير أن الهيئة العامة للأراضي والمساحة (الخاضعة لسيطرة الجماعة) عادت مؤخرًا لتحديث آليات التسليم عبر إبرام "عقد تأجير طويل الأجل"، في خطوة يراها قانونيون ومراقبون مجرد غطاء شكلي لإضفاء شرعية قانونية على عملية نقل الملكية والسيطرة الميدانية.
وتشير المصادر المحلية إلى أن القائمين على المشروع يرتبطون بشبكة نفوذ تضم فارس مناع وأحمد حمران (صهر عبد الملك الحوثي)، وهو ما يكرس نمطًا متكررًا لمنح أصول الدولة الحيوية لشخصيات تنتمي إلى الحلقة الضيقة للمركز القيادي للجماعة، بعيدًا عن أي أطر رقابية أو إجراءات قانونية شفافة.
تجريد المدينة من متنفساتها: كلفة اجتماعية واقتصادية
لا تتوقف أبعاد القضية عند التجاوزات القانونية وتبديد المال العام، بل تمتد لتضرب التخطيط الحضري لمدينة إب التي تعاني أساسًا من اختناق عمراني وشح حاد في الحدائق والمتنفسات الطبيعية.
وكان السكان يراهنون على تخصيص مساحة المعسكر السابق لاستحداث متنزّه طبيعي وحديقة عامة مفتوحة للمواطنين. ويؤكد أهالي المنطقة أن تحويل المكان إلى مجمع استثماري مغلق يخدم مصالح مادية ضيقة، يضاعف الأعباء على المجتمعات المحلية ويحرم مئات آلاف السكان من حقهم في الفضاءات العامة.
اعتراضات سياسية تكشف غياب التنافسية
أثار هذا الملف موجة انتقادات من أطراف سياسية محلية، حيث فتح رئيس فرع حزب المؤتمر الشعبي العام بمحافظة إب، الشيخ عقيل فاضل، النار على آليات منح المشروع، متسائلاً في منشور علني عبر منصات التواصل عن الأسباب التي تحول دون إخضاع الأصول العامة لمبدأ المنافسة الشفافة وفقًا لقانون المناقصات والمزايدات العامة.
وأكد فاضل أن تحويل عقارات الدولة إلى "غنائم تُ وزع على المتنفذين" يمثل اعتداءً صريحًا على الممتلكات العامة، مشيرًا إلى أن الاعتراض لا يستهدف شخص المستثمر، بل يرفض الغياب التام لشفافية الإجراءات وتكافؤ الفرص. واستشهد فاضل بقائمة من المنشآت والأراضي التي واجهت المصير ذاته، وفي مقدمتها:
• حديقة المحمول
• منتجع بن لادن
• أرضية معسكر الأمن المركزي
وطالب بطرح كافة الفرص الاستثمارية في مناقصات علنية تضمن أعلى عائد لصالح الخزينة العامة والمجتمع المحلي.
نهج متكامل: استهداف الأوقاف والمقابر
ولا تمثل أرضية معسكر الأمن المركزي سوى نموذج لظاهرة أوسع تطال مختلف القطاعات العقارية في المحافظة. إذ تفيد وثائق وشهادات محلية بتعرض عدة مواقع لانتهاكات واستحواذات متواصلة، شملت:
1. الاعتداء على حرمة المقابر: اقتطاع أجزاء من "مقبرة المحادب"، وشق شارع فرعي داخلها عقب هدم سورها لحساب مخططات عمرانية خاصة.
2. أراضي الأوقاف والمسَاجد: الاستيلاء على أرضية تابعة لجامع "سائلة جبلة"، بناءً على توجيهات نافذة صادر عن هيئة الأراضي الخاضعة للجماعة.
مفارقة الشعار والواقع: اقتصاد الريع وتمكين الشبكات
تسلط هذه الوقائع الضوء على الفجوة الأيديولوجية والسياسية بين الخطاب المعلن للجماعة بشأن "محاربة الفساد وحماية المال العام"، وبين سلوكها التنفيذي على الأرض، والذي يعتمد على إعادة توزيع الثروة الوطنية والأصول العقارية لبناء قواعد نفوذ اقتصادية موازية.
ويرى خبراء اقتصاديون أن حرمان الدولة من القيمة الحقيقية لأراضيها وعقاراتها، وتمرير العقود بالأمر المباشر لصالح المقربين، يؤدي إلى:
• تخسير الخزينة العامة موارد مالية ضخمة كانت كفيلة بدعم الخدمات الأساسية المتدهورة.
• تحويل قطاع الاستثمار من رافعة للتنمية الاقتصادية إلى أداة لتركيز الثروة والنفوذ في أيدي فئة محدودة.
• خلق حالة من عدم الاستقرار الجاذب لروؤس الأموال الموردة، عبر تقويض دولة القانون وإحلال منطق "المحسوبية والسيطرة المباشرة".
ومع استمرار أعمال البناء في موقع معسكر الأمن المركزي، تتزايد المخاوف الشعبيّة في إب من استكمال قضم ما تبقى من أصول ومساحات عامة، وسط مطالب مستمرة بضرورة إيقاف التصرفات الفردية بالأراضي الحكومية وإخضاع كافة المشروعات للرقابة والمساءلة القانونية.