اسرار | بالارقام والتفاصيل- تشريح لـ (الحصار الداخلي).. تقرير استقصائي يكشف هندسة التجويع والإفقار الممنهج لدى الحوثيين
متابعات خاصة
لم تكن الكارثة الإنسانية في اليمن وليدة صدفةٍ أو نتاجاً جانباً للصراع المسلح فحسب، بل مثلت "استراتيجية هندسة شاملة" أدارتها مليشيا الحوثي بدم بارد. هذا ما كشفه تقرير استقصائي صادم صدر حديثاً عن "مؤسسة تمكين المرأة اليمنية" (YWEF) تحت عنوان: «الحصار الداخلي.. سياسات مليشيا الحوثي في إفقار اليمنيين وإخضاعهم».
ويكشف التقرير أن الجماعة أنشأت – منذ انقلابها – منظومة متكاملة من السياسات النقدية والأمنية والإدارية، عمدت من خلالها إلى تحويل القوت اليومي والخدمات الأساسية إلى أسلحة مواجهة وسيطرة، لفرض حالة من الإخضاع القسري الشامل عبر ما يُعرف بـ "الإفقار الهندسي".
مؤشرات المأساة: اليمن في القاع الرقمي (2026)
وثق التقرير لغة الأرقام المرعبة التي انحدرت إليها البلاد جراء هذه السياسات، يرصد أبعادها الجدول التالي:


أعمدة "الحصار الداخلي": كيف يُدار نظام الإخضاع؟
تفرد الدراسة بالتحليل أربعة مسارات رئيسية استخدمتها المليشيا لخلق نظام الاعتمادية المطلقة عليها:
1. القرصنة المالية وحظر النقد
عمدت الجماعة إلى خلق "انقسام نقدي حاد" عبر حظر تداول الطبعات الجديدة من العملة الصادرة عن البنك المركزي في عدن. أدى هذا الإجراء إلى مضاعفة تكاليف التحويلات المالية والتجارة البينية، بينما استمرت في تحصيل كافة الإيرادات العامة والمنافذ الجمركية، مع حرمان 85% من الموظفين المدنيين من رواتبهم المنتظمة لسنوات، وتحويلهم إلى باحثين عن الإغاثة.
2. الجباية واحتكار الموانئ
استحوذت موانئ الحديدة الخاضعة لسيطرتها على 75% من واردات البلاد في 2024 و67% في 2025، لكن بدلاً من توجيه هذه التدفقات للتخفيف من حدة الأزمة، فرضت المليشيا نقاط جمركية إضافية ورسوماً مضاعفة داخلية، مما أدى إلى تضخم أسعار السلع الأساسية بشكل ينهك القدرة الشرائية للمواطن البسيط.
3. خنق الجغرافيا وقطع الشرايين
امتد الحصار ليصبح جغرافياً؛ من خلال استمرار إغلاق الطرق المحورية – وفي مقدمتها منافذ محافظة تعز – وفرض طرق بديلة شاقة ضاعفت كلفة النقل. يضاف إلى ذلك الاستيلاء على أصول وطائرات الناقل الوطني (اليمنية)، مما شل حركة المرضى والطلاب والمسافرين.
4. "عرقَلة الإغاثة" واختطاف العمل الإنساني
لم تسلم المنظمات الإغاثية من المخطط، حيث وثق التقرير:
• احتجاز 163 موظفاً أممياً ودولياً حتى عام 2026.
• اقتحام ومصادرة 73 مقراً تتبع الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية.
• فرض الوصاية على القوائم وتوزيع المساعدات لصالح الموالين للجماعة، مما تسبب في تقليص وتعليق برامج إغاثية حيوية للملايين.
كارثة "مدرسة معين".. الشاهد المأساوي على التجويع
واعتبر التقرير أن فاجعة التدافع الشهيرة في مدرسة "معين" بالعاصمة صنعاء عام 2023 – والتي أودت بحياة عشرات الفقراء أثناء انتظارهم مساعدات مالية زهيدة – لم تكن مجرد حادث عرضي، بل هي التجسيد الصارخ لنتائج سياسة الإفقار الممنهج، حيث يُدفع السكان للمخاطرة بأرواحهم للحصول على رمق العيش.
خارطة خلاص: تفكيك "منظومة التجويع"
خلص التقرير الحقوقي إلى أن التعامل مع الأزمة الإنسانية في اليمن ينبغي ألا يقتصر على توزيع السلال الغذائية، بل ينبغي أن يتجاوز ذلك إلى تفكيك بنية الحصار الداخلي.
توصيات التقرير للمجتمع الدولي والأمم المتحدة:
1- محاسبة القيادات: إنهاء سياسة الإفلات من العقاب وملاحقة المتورطين في جرائم التجويع والإفقار.
2- رفع القيود النقدية والجغرافية: التلويح بقرارات صارمة لإلغاء قيود العملة، وفتح جميع الطرق المغلقة فورا.
3- حماية العمل الإنساني: الإطلاق الفوري لكافة موظفي الإغاثة المحتجزين واستعادة المقرات المغتصبة.
4- استعادة الموارد: إعادة توجيه الإيرادات العامة وصرف رواتب الموظفين كحق أساسي، وإنهاء الانقلاب لإعادة المؤسسات لنصابها الطبيعي.