اسرار | بالارقام والتفاصيل- قنبلة موقوتة بـ 3 تريليونات ريال: كيف ابتلع (سوق الظل) السيولة النقدية وخنق اقتصاد اليمن؟ | اختلالات الشرعية وثقب مأرب الاسود

اسرار | بالارقام والتفاصيل- قنبلة موقوتة بـ 3 تريليونات ريال: كيف ابتلع (سوق الظل) السيولة النقدية وخنق اقتصاد اليمن؟ | اختلالات الشرعية وثقب مأرب الاسود

عدن / صنعاء | متابعات خاصة:

يواجه النظام المالي اليمني واحدة من أعقد وأطول أزمات السيولة النقدية والمصرفية في التاريخ الحديث؛ أزمة تحولت مع مرور الوقت إلى "قنبلة موقوتة" تهدد بانهيار ما تبقى من القطاع المصرفي الرسمي. وفي عمق المشهد، برزت أرقام صادمة تكشف عن هجرة جماعية للأموال من البنوك الرسمية إلى "اقتصاد الظل"، حيث يبتلع قطاع الصرافة الدورة المالية كاملة، مستغلاً الانقسام السياسي والنقدي الحاد الذي يعصف بالبلاد.

المفارقة المرعبة: الاقتصاد ينمو اسمياً والسيولة المصرفية تجف

تكشف لغة الأرقام عن اختلال هيكلي مرعب بين نمو الاقتصاد الاسمي وحجم النقد المتاح داخل الأوعية الرسمية؛ إذ سجل الناتج المحلي الإجمالي قفزة اسمية قياسية بنحو 264% بين عامي 2017 و2025، مرتفعاً من 9.9 تريليون ريال إلى 36 تريليون ريال. في المقابل، لم تتجاوز الزيادة في الكتلة النقدية خارج البنوك 114% لتستقر عند 3.27 تريليون ريال.

وقد بلغت هذه الفجوة ذروتها المخيفة خلال الفترة بين 2022 و2025؛ حيث نما الاقتصاد اسمياً بنسبة 37%، يقابله نمو شبه منعدم في المعروض النقدي المصرفي لم يتجاوز 4%.

هجرة الودائع نحو "الصرافين".. القطاع غير المنظم يستحوذ على المشهد

تُرجع الباحثة الاقتصادية، ميرفت عبدالواسع، هذه الأزمة العميقة إلى حزمة من العوامل المتداخلة التي بدأت مع اشتعال الحرب أواخر عام 2014. وتوضح عبدالواسع أن "تراجع ثقة المودعين بسبب الانقسام المصرفي والمخاطر المرتفعة، تسبب في تراجع الودائع البنكية بنسب تراوحت بين 50% و75%، مما دفع الأفراد والشركات إلى الاحتفاظ بأموالهم ككاش خارج الجهاز المصرفي".

ونتيجة لهذا الانهيار في الثقة، انتقلت الحركة المالية إلى شركات ومحلات الصرافة التي تحولت إلى "بنوك بديلة غير منظمة" تستحوذ على الجزء الأكبر من التعاملات والتحويلات. وتكمن خطورة هذا التحول في النقاط التالية:

خنق الاستيراد: صعوبة حصول المستوردين على النقد الأجنبي لتمويل الواردات عبر القنوات الرسمية.

ارتفاع الكلفة: تعثر التحويلات الخارجية والاعتماد الكلي على الصرافين، مما رفع كلفة العمولات بشكل جنوني.

انتعاش المضاربة: تحول سوق الصرافة إلى ساحة مفتوحة للمضاربة بالعملة، مما سرع من تدهور الريال اليمني وتغذية التضخم ورفع أسعار السلع الأساسية.

شريان الحياة الخارجي: تشير عبدالواسع إلى أن تحويلات المغتربين باتت تمثل أهم مصادر النقد الأجنبي، حيث بلغت 2 مليار دولار عام 2025، وسط توقعات بارتفاعها إلى 2.16 مليار دولار في عام 2026، وهو ما يعادل نحو 15% إلى 20% من الناتج المحلي الإجمالي، لكن هذه الأموال تصب أيضاً في شبكات الصرافة بدلاً من البنوك.

"الحرب النقدية": كيف توظف مليشيا الحوثي الانقسام المالي؟

من جانبه، يضع الخبير الاقتصادي، ماجد الداعري، إصبعه على الجرح السياسي للأزمة، مؤكداً أن الانقسام النقدي ووجود بنكين مركزيين بسياسات متعارضة هما المحرك الأساسي لهذا الشلل.

ويتهم الداعري مليشيا الحوثي باستغلال سيطرتها على المركز المالي الأكبر والكثافة السكانية الأعلى لمصادرة الدورة المالية وتجفيفها؛ إذ تتعمد الجماعة التحكم في السيولة وإخفاء النقد المتداول عن البنك المركزي في عدن، لإفشال سياساته النقدية وإبقائه في حالة عجز دائم.

اختلالات جبهة "الشرعية": ثقب مأرب الأسود وتعطل التصدير

لا تعود الأزمة للضغوط الحوثية فحسب، بل يمتد الخلل إلى آليات التحصيل داخل مناطق الحكومة الشرعية نفسها. ويكشف الداعري عن وجود كتلة نقدية ضخمة في محافظة مأرب ناتجة عن عوائد نفط وغاز "صافر" والجمارك، إلا أنها لا تورد إلى البنك المركزي في عدن؛ بل يُحوّل جزء منها إلى الخارج كعملة صعبة، ويذهب جزء آخر إلى مناطق سيطرة الحوثيين لشراء احتياجات طاقة وغيرها، مما تسبب في شلل الدورة المالية لمركزي عدن، خصوصاً مع استمرار توقف صادرات النفط الخام.

معضلة الـ 5 تريليونات المطبوعة وخزائن البنوك المغلقة

يرى الداعري أن الأزمة ليست في "عدم وجود نقد"، بل في "مكان مكتنز الحكومتين". فالحكومة اليمنية طبعت نحو 5 تريليونات ريال منذ عام 2016 (وهي كتلة تعادل 3 أضعاف ما طُبع في اليمن منذ قيام الوحدة عام 1990)، ومع ذلك تعجز الحكومة عن صرف الرواتب بانتظام.

لماذا اختفت الخمسة تريليونات؟

لأن البنوك التجارية نفسها، وخوفاً من التقلبات الحادة في أسعار الصرف (مثل تراجع الدولار المفاجئ من 3000 إلى 1500 ريال)، آثرت الانكفاء على ذاتها واحتجاز كميات ضخمة من السيولة داخل خزائنها المغلقة بدلاً من ضخها في السوق، انتظاراً لاستقرار الصرف، مما فاقم حالة الركود والشلل الاقتصادي.

طوق النجاة: هل تعيد "هنت" الأمريكية الروح للاقتصاد الريعي؟

في قراءة للمخرج من هذا النفق المظلم، يعود أستاذ الاقتصاد بجامعة تعز، الدكتور محمد قحطان، إلى جذر البنية الاقتصادية اليمنية بوصفها "اقتصاداً ريعياً" يعتمد تاريخياً بنسبة 70% من موازنته ونسبة 90% من صادراته على النفط والغاز، وهي الإيرادات التي تلاشت تماماً مع اندلاع الحرب وصراع السيطرة.

ومع ذلك، يرى قحطان أن التطورات الإقليمية الأخيرة، والهدنة الجارية، فتحت ثغرة فريدة للحكومة الشرعية التي تسيطر على حقول الإنتاج. وتتمثل هذه الفرصة في التحركات الأخيرة لشركة "هنت" النفطية الأمريكية، ولقاء ممثليها برئيس مجلس القيادة الرئاسي، والذي تمخض عن اتفاق مبدئي يقضي بعودة الشركة لاستئناف نشاطها الإنتاجي والتصديري.

خارطة الحلول العاجلة لإنقاذ الدينار والريال

تتفق الرؤى الاقتصادية على أن إنقاذ القطاع المصرفي يتطلب خطة إنعاش متكاملة ترتكز على محورين: