اسرار | بالتفاصيل: عائشة القذافي... "كليوباترا ليبيا" وريثة محتملة لسيف الإسلام

اسرار | بالتفاصيل: عائشة القذافي... "كليوباترا ليبيا" وريثة محتملة لسيف الإسلام

وريثة محتملة لسيف الإسلام ويرى محللون أنها تتمتع بثقافة واسعة وقوة شخصية بارزة جسدتها "خطابات الشرفة" رفقة والدها

كريمة ناجي صحافية

يرى مراقبون أن عائشة هي القوة الدبلوماسية الناعمة للراحل معمر القذافي

كان القذافي حريصاً على ظهور عائشة إلى جانبه في اللقاءات الدولية المهمة التي يحضرها رؤساء وزعماء العالم، وكأنه يختصر قيمة المرأة الليبية فيها.

بعدما شغلت قضية اغتيال سيف الإسلام القذافي، العالم لأيام، غزت صور عائشة القذافي، الابنة الوحيدة للرئيس الليبي السابق معمر القذافي وسائل التواصل الاجتماعي، إذ ظهرت بزي رسمي أنيق أسود اللون. ذاك اللون الذي اعتنقته منذ رحيل والدها وأخويها خميس والساعدي في أحداث ثورة الـ17 من فبراير (شباط) عام 2011.

ولدت عائشة عام 1976 وهي الابنة الوحيدة للقذافي، واختارت دراسة القانون كتخصص بجامعة "الفاتح"، المعروفة حالياً بجامعة طرابلس، ثم واصلت مسارها الأكاديمي في فرنسا حيث تحصلت على ماجستير في القانون الدولي الذي اختارته لمواصلة مرحلة الدكتوراه إلا أن أحداث ثورة فبراير حالت دون إكمالها مسارها البحثي.

صحراء الجزائر

برزت دولياً إثر انضمامها كمحامية لفريق الدفاع عن الرئيس العراقي السابق صدام حسين الذي تربطها علاقة جيدة بابنته رغد، التي سبق وأكدت في تصريحات صحافية أن معمر القذافي استقبلها في طرابلس وقدم لها الدعم إثر مقتل والدها صدام حسين.

ولم تتغيب رغد، ابنة الرئيس العراقي السابق، صدام حسين، عن تعزية عائشة، إثر "اغتيال" شقيقها سيف الإسلام، وقالت في تدوينة لها على صفحتها بمنصة "إكس"، "أدين وأستنكر جريمة اغتيال أخي الشهيد المغدور سيف الإسلام القذافي...".

D0cdg_SVYAASfhq.jpg

حفل زفاف عائشة القذافي (مواقع التواصل)

تزوجت عائشة عام 2006، من ضابط في الجيش الليبي، يدعي أحمد القذافي، وهو أحد أبناء قبيلتها القذاذفة، وأنجبت منه أربعة أبناء، من بينهم طفلة في أعماق واحة صحراء جانت جنوب شرقي الجزائر التي تقع على بعد نحو 60 كيلومتراً من الحدود الليبية. وكشف خبر إنجابها سفير الجزائر لدى الأمم المتحدة مراد بن مهدي في رسالة إلى مجلس الأمن الدولي، أكد فيها أن مولودة عائشة أتت إلى الدنيا في اليوم نفسه الذي عبرت فيه والدتها الحدود، و"من دون مساعدة طبية"، وفق وكالة "أسوشيتد برس".

وكانت عائشة قد فرّت مع والدتها صفية وشقيقيها محمد وهنيبال القذافي وأبنائهم إلى الجزائر عبر ممر صحراوي تنفيذاً لطلب والدها معمر القذافي الذي أشار عليها بالتوجه للجزائر بعد سقوط طرابلس في أغسطس (آب) عام 2011.

سلاح الريشة

الظهور الأخير لـ"عائشة" في أحد المعارض الفنية، يعد الأول لها بعد تصاعد طلبات تيار الخضر أخيراً لترشحها للانتخابات الرئاسية. ملامح عائشة الشقراء لم تنجح في إخفاء صلابتها وقوة شخصيتها الواضحة في اعتدال وقفتها وأنفتها وفصاحتها وهي تتكلم أمام وسائل الإعلام الدولية في آخر ظهور لها في معرض للرسم بالعاصمة الروسية موسكو في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2024، إذ أكدت أنها اختارت هذا التاريخ لتوافقه وذكرى رحيل والدها وأخيها المعتصم بالله اللذين قتلا في أكتوبر عام 2011.

Ayesha Gaddafi.jpg

تقف عائشة أمام إحدى اللوحات الفنية بمعرض خارج ليبيا (رويترز)

 إحدى لوحاتها ارتسم عليها رجل وهو في حال مغادرة، واختارت عائشة أمام عدسة إحدى القنوات، الوقوف في ظهره وكأنها تساند والدها حتى في غيابه، بينما جسدت بقية لوحاتها طريقة موت إخوتها ووالدها، وقالت إنها تعكس المأساة التي لحقت بعائلتها خلال أحداث ثورة فبراير.

اختارت ريشة الرسم كسلاح للتعبير عن مقاصدها، منذ حصولها على اللجوء السياسي في سلطنة عمان التي سبق وظهرت في أحد معارضها الفنية في مايو (أيار) 2024.

الخنساء

عند الحديث عن عائشة تقفز إلى الأذهان ألقاب عدة، فيشبهها كثر بـ"كليوباترا ليبيا" في حين يستقر كثر عند لقب الخنساء. ويقول الكاتب السياسي عبدالله الكبير في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، إن قدرها كابنة وأخت فقدت أهلها وحزنت أن تلقب بـ"الخنساء" حتى لو لم تعرض فيهم شعر الرثاء مثل الخنساء، منوهاً بأن الأمر مختلف مع لقب كليوباترا التي كانت ملكة وتحدت روما ودفعت ثمن غزو بلدها.

وذهب كثير الآراء إلى أن سيف الإسلام سليل القذافي سياسياً بينما تعد عائشة وريثه الفكري الوحيد، فكثير يشبهونها به حتى في طريقة الوقوف وإلقاء الخطابات، وهو أمر يصفه "الكبير" بأنه طبيعي، لأن القذافي كان النجم الأوحد في ليبيا زمن حكمه، ولم يترك فرصة البروز لأي شخصية أخرى، فهو وفق قوله المفكر الأول والقائد وحكيم أفريقيا وأمين القومية العربية قائد القيادة الإسلامية والعالمية وغيرها من الألقاب التي نسبها لنفسه.

قوة معمر الناعمة

كان القذافي حريصاً على ظهور عائشة إلى جانبه في اللقاءات الدولية المهمة التي يحضرها رؤساء وزعماء العالم، وكأنه يختصر قيمة المرأة الليبية فيها، وهو أمر يؤكده المتخصص في العلاقات الدولية خالد الحجازي، المقرب من النظام السابق، باعتباره ابن محمد الحجازي، آخر وزير للصحة بحكومة معمر القذافي السابقة، وأحد قيادات مشروع ليبيا الغد الذي كان يقوده سيف الإسلام القذافي.

مع_والدها_(مواقع_التواصل).png

عائشة رفقة والدها معمر في طفولتها (مواقع التواصل)

يقول الحجازي إن عائشة هي القوة الدبلوماسية الناعمة لمعمر القذافي، موضحاً أن العلاقة بينهما لم تكن علاقة أب بابنته فحسب بل علاقة تقارب فكري، مشيراً إلى أنها إحدى الشخصيات التي برزت في الدائرة المحيطة بالنظام الليبي السابق من زاوية تختلف عن الحضور السياسي التقليدي، إذ جمعت بين البعدين العائلي والرمزي- الدبلوماسي، ويضيف "العقيد معمر القذافي كان ينظر إليها كواجهة قادرة على مخاطبة العالم الخارجي بلغة أكثر مرونة، وهو ما يندرج ضمن ما يعرف بأدوات (القوة الناعمة) في العلاقات الدولية، بخاصة في ظل سعي نظام الرئيس السابق آنذاك إلى تحسين صورته والانفتاح على بعض الدوائر الدولية".

واجهة فكرية

المتخصص في العلاقات الدولية رأى أيضاً أن العلاقة بين معمر وابنته الوحيدة بدت في كثير من المحطات أقرب إلى علاقة فكرية ورمزية تتجاوز الإطار الأسري المعتاد، إذ منحها مساحة للظهور في مناسبات ولقاءات دولية مهمة، بما يعكس درجة من الثقة في قدرتها على تمثيل خطاب مختلف نسبياً عن الخطاب السياسي الصلب، وفي المقابل، كانت هي تنظر إليه كرمز قيادي ومصدر للشرعية التاريخية والسياسية داخل منظومة الحكم.

ومن هذا المنظور، أكد الحجازي أن حضور عائشة لم يكن مجرد بروتوكولي، بل ارتبط بمحاولة توظيف البعد الإنساني والحقوقي والإعلامي في تحسين صورة الدولة الليبية خارجياً، غير أن هذا الحضور ظل مرتبطاً بالسياق السياسي العام للنظام السابق، مما جعل تقييم دورها لاحقاً مرتبطاً بتحولات المشهد الليبي بعد عام 2011 وما رافقها من تغير في موازين الشرعية والتمثيل السياسي.

ayesha-al-gaddafi-440nw-1232052k.jpg

انتشرت دعوات من الموالين لتيار الخضر لإكمال عائشة مشروع شقيقها سيف الإسلام (مواقع التواصل)

وترأست عائشة جمعية "واعتصموا" الخيرية التي كانت سبباً في اكتسابها قاعدة شعبية واجتماعية في ليبيا، وعلى الصعيد الدولي عرفت بلقب سفيرة النوايا الحسنة الذي أسندته لها الأمم المتحدة، ليسحب منها اللقب عام 2011، إثر سقوط نظام والدها، لا سيما أنها أصبحت من ضمن القائمة السوداء للاتحاد الأوروبي في العام نفسه قبل أن تتمكن بعد 10 أعوام أي عام 2021، من سحب اسمها من قائمة الخاضعين للعقوبات على أساس أنها لم تعد تمثل تهديداً للسلم والأمن الدوليين في المنطقة.

رمزية تاريخية

وانتشرت دعوات من الموالين لتيار الخضر لإكمال عائشة القذافي مشروع شقيقها سيف الإسلام والترشح للانتخابات الرئاسية، وعن هذا قال الحجازي إن "عائشة القذافي تمتلك من المقومات الرمزية والسياسية ما يؤهلها – نظرياً – لإكمال المسار الذي ارتبط باسم سيف الإسلام القذافي، بخاصة في ظل ما تحمله من حضور معنوي داخل شريحة من الرأي العام الليبي، إضافة إلى خلفيتها القانونية والإنسانية وخبرتها في التعاطي مع الملفات الدولية".

KSMDNLUCLNPEVDXSIMHWADU6JE.jpg

نجحت عائشة في إسقاط اسمها من قائمة العقوبات الدولية (مواقع التواصل)

وأشار إلى أن استمرار الدعوات الشعبية على منصات التواصل الاجتماعي يعكس وجود حال من التطلع لدى بعض الفئات لقيادة تمتلك رمزية تاريخية وقدرة على مخاطبة الداخل والخارج في آن، مؤكداً أن قدرة عائشة على مواصلة ما بدأه سيف الإسلام لا تتوقف فقط عند البعد العائلي أو الإرث الرمزي، بل ترتبط بإمكان تحويل هذا الرصيد المعنوي إلى مشروع سياسي جامع يستجيب لمتطلبات المرحلة الراهنة ويقدم خطاباً يوازن بين المصالحة الوطنية وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتابع "إذا ما تمكنت عائشة من بلورة رؤية واقعية تستوعب التحولات التي شهدتها ليبيا خلال الأعوام الماضية، فإن فرص حضورها كامتداد سياسي لذلك المسار تظل قائمة وقابلة للتطور ضمن سياق وطني توافقي".

Aisha Gaddafi رويترز.JPG

يتذكر الليبيون وقوف عائشة إلى جانب والدها معمر القذافي في مجمع باب العزيزية (رويترز)

خطابات الشرفة

لا تزال "خطابات الشرفة" أحد المواقف الشاهدة على وفاء عائشة لوالدها لآخر لحظة، حيث ظهرت إلى جانبه في شرفة مجمع باب العزيزية أيام الثورة متحدية قصف صواريخ "الناتو"، وهو ما يعده الحجازي "من بين المشاهد الأكثر رسوخاً في الذاكرة مقارنة بغيرها".

وأوضح أن عائشة ظهرت خلال هذا المشهد إلى جانب والدها الرئيس السابق معمر القذافي، في مجمع باب العزيزية، في لحظة كانت فيها الصواريخ تتساقط والضغوط تتصاعد من كل اتجاه، مشيراً إلى أن هذا الظهور لم يكن مجرد حضور عابر، بل موقف واضح يحمل دلالات القوة والثبات لعائشة في أكثر الأوقات حرجاً.

ولفت الانتباه إلى أن تلك اللحظات رسخت صورة ابنة اختارت أن تقف إلى جانب والدها وبلدها في مواجهة الخطر بدلاً من الابتعاد أو البحث عن النجاة الشخصية، وفي زمن تتراجع فيه كثير من المواقف تحت ضغط القوة والسلاح، وجاء ظهورها العلني ليؤكد أن الشجاعة ليست مجرد كلمات، بل موقف يجسد بالفعل في لحظات الاختبار الحقيقي.

وأشار إلى أن الوقوف على شرفة باب العزيزية تحت القصف لم يكن مشهداً عادياً، بل كان إعلاناً معنوياً بأن الروابط العائلية والانتماء السياسي يمكن أن يتحولا إلى مصدر صمود لا إلى سبب للهرب، وقال إن تلك الخطابات كانت ولا تزال دليلاً واضحاً على قوة شخصية عائشة القذافي، وعلى وفائها لوالدها حتى اللحظة الأخيرة، حين اختارت أن تشاركه المصير ذاته بدلاً من مراقبته من بعيد، فـ"خطابات الشرفة" لم تكن مجرد حدث عابر في زمن الحرب، بل تحولت إلى رمز لقوة الموقف وصدق الانتماء في ذاكرة كثير من الليبيين، وهو ما يفسر دعوات البعض لإكمال ما بدأه شقيقها سيف الإسلام القذافي وترشحها للانتخابات الرئاسية.