اسرار | على حافة الهاوية الإقليمية: تهديدات الحوثي لمصر تختبر أمن البحر الأحمر وتحول الممر الحيوي إلى ساحة صراع كبرى
وكالات | متابعات خاصة:
تضع التهديدات المباشرة التي أطلقتها مليشيا الحوثي الإرهابية ضد مصر الأمن القومي المصري والإقليمي أمام اختبار استراتيجي بالغ الدقة والخطورة. ولا تقف هذه التهديدات عند حدود التضامن السياسي العابر مع المملكة العربية السعودية، بل تمتد لتطال عصب الاقتصاد المصري وأمن الملاحة في البحر الأحمر – أحد أهم شرايين التجارة العالمية – وسط مخاوف متصاعدة من جنوح المليشيات نحو توسيع دائرة الصراع وتحويل المنطقة إلى ساحة مواجهة مفتوحة تخدم الأجندة الإيرانية.
مصر أمام مفترق طرق: من الدبلوماسية إلى خيار الدفاع المشترك
سلط تحليل موسع نشرته مجلة «المجلة» الضوء على تداعيات التحول الاستراتيجي في الموقف المصري، محذراً من أن اعتبار الحوثيين لأي دعم دفاعي مصري للسعودية بمثابة "إعلان حرب" يعكس طبيعة النوايا العدائية للجماعة واستعدادها لنقل المواجهة من نطاقها المحلي إلى فضاء الأمن الإقليمي الشامل.
وجاء هذا التوتر عَقِب تفويض البرلمان المصري للرئيس عبدالفتاح السيسي بتقديم دعم دفاعي للمملكة، وهو تطور نوعي يعكس انتقال القاهرة من سياسة الاحتواء الدبلوماسي التي انتهجتها منذ اندلاع أحداث 7 أكتوبر 2023 – رغم الخسائر الفادحة التي تكبدتها قناة السويس نتيجة الهجمات الحوثية على السفن – إلى استعداد عملي للمساهمة في حماية أمن حليفها الاستراتيجي، بعد أن باتت التهديدات تمس الأمن القومي المباشر لمصر.
البحر الأحمر.. ساحة صراع ونفوذ جيوسياسي
يؤكد تحليل «المجلة» أن أهمية الحضور المصري تكمن في أبعادها الاستراتيجية الرامية إلى منع تحول السواحل اليمنية الخاضعة لسيطرة الحوثيين إلى قاعدة متقدمة لتكريس النفوذ الإيراني عند مضيق باب المندب.
فالسيطرة الحوثية على الساحل الغربي لا تهدد الملاحة الدولية فحسب، بل تُهدد بتغيير موازين القوى في البحر الأحمر، وهو ما يتقاطع مع تحديات أمنية إقليمية أخرى تواجهها القاهرة، مثل التحركات الإثيوبية والوجود الإسرائيلي المتنامي في إقليم أرض الصومال. من هذا المنطلق، لم يعد الدعم المصري للسعودية مجرد استجابة لالتزام تحالفي، بل هو خط دفاع أول لحماية البيئة الأمنية الإقليمية لمصر ومنع تحول الممر المائي إلى أداة ابتزاز سياسي وعسكري بيد طهران.
معادلة مكلفة: مخاطر الانخراط مقابل كلفة الحياد
في المقابل، يضع التحليل بوضوح الكلفة الباهظة والمخاطر المحتملة لأي انخراط عسكري مصري مباشر؛ إذ تلوح المليشيا الإرهابية بنقل المعركة إلى العمق المصري عبر استهداف البنى التحتية الحيوية، والموانئ، ومستودعات الطاقة، والمقاصد السياحية، مما يهدد الاستقرار الاقتصادي وثقة المستثمرين.
كما أن المواجهة المباشرة قد تفرض على مصر استنزافاً عسكرياً واقتصادياً في توقيت إقليمي شديد الحساسية، فضلاً عن إرباك قنوات الاتصال الدبلوماسية التي بنتها القاهرة مع طهران، وتقليص قدرتها على أداء دور الوسيط المحتمل في الصراع اليمني.
ولكن المعضلة الكبرى تكمن في أن "الحياد لم يعد بلا كلفة"؛ فالتقاعس أو الاكتفاء بالصمت سيبقي المصالح المصرية مكشوفة أمام الابتزاز الحوثي المستمر. وترتسم هنا المفارقة الصارخة: القاهرة تسعى لحماية أمن البحر الأحمر والمملكة دون التورط في حرب مفتوحة، بينما تحاول المليشيا خلق "معادلة ردع وهمية" تُجرم أي تعاون دفاعي وتجعله مبرراً لاستهداف مقدرات الدول الإقليمية.
خلاصة استراتيجية: أزمة تتجاوز حدود اليمن
تؤكد التهديدات الحوثية الأخيرة أن أزمة عسكرة البحر الأحمر وتوظيفه كأداة ضغط سياسي قد تجاوزت الأزمة اليمنية المحلية، لتضع المجتمع الدولي ودول المنطقة أمام مسؤوليات تاريخية. فالمسألة لم تعد محصورة في علاقة مصر والسعودية، بل تتعلق بقدرة العالم العربي والإقليمي على منع تحويل الممرات الاستراتيجية إلى ورقة مساومة إيرانية، وحماية الأمن القومي المشترك من ارتدادات الإرهاب الميليشياوي.