اسرار | بالتفاصيل- تعز في عين العاصفة: حصار حوثي خانق يدفع بأكثر من مليون مدني نحو حافة كارثة إنسانية شاملة

اسرار | بالتفاصيل- تعز في عين العاصفة: حصار حوثي خانق يدفع بأكثر من مليون مدني نحو حافة كارثة إنسانية شاملة

وكالات | متابعات خاصة

تدفع مدينة تعز اليمنية ثمنًا بشريًا ومعيشيًا باهظًا جراء إحكام جماعة الحوثي حصارها المطبق على المدينة، في أزمة مأساوية تتجاوز أبعادها حدود الصراع العسكري لتستهدف عصب الحياة اليومية لسكانها. ولم تعد المعاناة محصورة في شح مياه الشرب، بل امتدت لتطال الغذاء، والوقود، والخدمات الصحية الأساسية، وسط تقارير وتحذيرات أممية ودولية متصاعدة من انهيار وشيك ينذر بكارثة إنسانية غير مسبوقة لأكثر من مليون نسمة.

تقرير "أسوشيتد برس": أزمة مياه غير مسبوقة تلامس حد الاختناق

كشف تقرير مطول لوكالة "أسوشيتد برس" أن أزمة المياه المزمنة التي تعاني منها تعز منذ أكثر من عشر سنوات قد بلغت مستويات حرجة للغاية خلال الأسابيع الأخيرة. ويعود هذا التدهور إلى تضييق الخناق على الآبار الحيوية، وتراجع إمدادات المياه المنقولة بالشاحنات، ونقص الوقود اللازم لتشغيل محطات الضخ والتحلية، تزامناً مع تصاعد وتيرة العمليات العسكرية في محيط المدينة.

وتحوّل تأمين قطرة الماء إلى هاجس يومي مضنٍ للعائلات. فقد قفزت أسعار المياه المعبأة بنسب وصلت إلى 75% مقارنة بما كانت عليه الأسابيع الماضية، مما اضطر العديد من الأسر إلى شرائها بالدَّين. وفي شهادة تعكس قسوة الواقع، قالت المواطنة هديل الشهيد إن أسرتها -المكونة منها وطفليها- كانت تستهلك نحو عشرة لترات من المياه يومياً للشرب والطهي، باتت اليوم مجبرة على تدبير الكمية ذاتها لتكفي أربعة أيام، مشيرة إلى توقفهم التام عن استهلاك القهوة والشاي بسبب قلة المياه.

تجفيف شرايين الإمداد ومخاطر مضاعفة تكاليف النقل

ولا قُصر أزمة المياه على الارتفاع الجنوني للأسعار، إذ أدى سيطرة الحوثيين على الطرق والمناطق المحيطة بتعز إلى حرمان السكان من الوصول إلى الآبار القريبة وعرقلة تدفق شاحنات الإمداد القادمة من خارج المدينة. وأفاد التقرير بأن سائقي صهاريج المياه باتوا يواجهون مخاطر أمنية جمة، دفعت بعضهم إلى مضاعفة الأسعار بواقع ثلاثة أضعاف لتغطية كلفة المخاطر ونقل المياه للمدينة.

ومع تضاؤل مخزونات الوقود، تكافح مؤسسة المياه للحفاظ على الحد الأدنى من عملياتها، فيما تعمل محطات التحلية بطاقات منخفضة للغاية. هذا الوضع القسري يضع الأسر بين خيارين أحلاهما مرّ: إما تقليص الاستهلاك إلى الحد الأدنى أو تكبد أعباء مالية تفوق قدراتهم بكثير.

أمام هذا الوضع المأساوي، أطلقت منظمة العفو الدولية نداءً عاجلاً طالبت فيه الحوثيين بفتح الطرق المؤدية إلى المدينة فوراً، محذرة من أن تعز تُدفع بثبات نحو "حافة كارثة إنسانية جسيمة".

أزمة غذاء ووقود متسعة.. والنازحون في الواجهة

تتفاقم الأزمة الإنسانية لتتسع رقعتها وتشمل الوقود والمواد الغذائية الأساسية، متزامنة مع موجات نزوح متسخة تستقبلها المحافظة. ووفقاً لخبراء الهجرة التابعين للأمم المتحدة، استقبلت تعز نحو 124 ألف نازح منذ أغسطس الماضي، ما زال يشكل ضغطاً كارثياً على الموارد المحدودة.

ونقل التقرير عن ينس لايركه، المتحدث باسم شؤون المساعدات الطارئة بالأمم المتحدة، أن بعض الأسر النازحة تعيش في مخيمات وملاجئ بدائية وتكتفي بوجبة طعام واحدة يومياً للبقاء على قيد الحياة.

على صعيد آخر، قفز سعر غاز الطهي إلى أربعة أضعاف سعره السابق، بحسب هاني بافقيه، خبير المياه والصرف الصحي في منظمة "كير" الإغاثية، الأمر الذي أجبر العائلات على اللجوء إلى الحطب والفحم والورق المقوى للطهي، فيما تعثرت المطابخ المجتمعية عن تقديم وجباتها الساخنة المجانية.

كما حذّر "لايركه" من أن نقص الوقود يهدد بشكل مباشر تشغيل مضخات المياه، ومولدات المستشفيات، وخدمات جمع النفايات، مما يهدد بتراكم المخلفات وانتشار الأوبئة الفتاكة كـ الكوليرا، لاسيما مع لجوء السكان إلى آبار غير محمية ومמلوثة. وفي سوق الغذاء، صعدت أسعار الدقيق والأرز بنحو 50%، بينما غابت الفواكه والخضراوات عن موائد غالبية الأسر.

ويبرز الانهيار المعيشي في شهادة المواطن أحمد عبد الجابر، الذي يعيش مع تسعة أفراد من أسرته بين أنقاض مبنى مدمَّر بعد نزوحهم؛ إذ باتت أسرته تعتمد كلياً على المساعدات المتقطعة، في وقت فقدت فيه هديل الشهيد دخلها بعد إغلاق صالونها الخاص، لتوجيه ما تبقى من أموال نحو توفير الغذاء والمياه فقط.

الأبعاد العسكرية والاستراتيجية للصراع في تعز

يرتبط هذا الخنق المعيشي ارتباطاً وثيقاً بالمعادلة العسكرية المحتدمة حول تعز، حيث تسيطر الحكومة اليمنية على مركز المدينة بينما تخوض قواتها معارك لصد تقدم الحوثيين في المرتفعات والمحيط الجغرافي، وسط تعقيدات بالغة في إيصال الإمدادات للقوات الحكومية.

تكتسب تعز أهمية استراتيجية فائقة نظراً لموقعها الذي يربط شمال اليمن بجنوبه. ويرى محللون أن أي اختراق حوثي للسيطرة على كامل المدينة قد يفتح الباب أمامهم للتقدم نحو عدن ولحج. وفي هذا السياق، أشار أحمد ناجي، كبير المحللين في مجموعة الأزمات الدولية، إلى أن مساعي السيطرة التامة على المدينة ستتطلب معارك طويلة ومكلفة للغاية مصحوبة بخسائر بشرية فادحة للمهاجمين.

من جهتهم، زعم ثلاثة مسؤولين حوثيين أن الجماعة تسيطر على نحو 80% من الأرياف المحيطة بتعز إضافة لأحياء داخل المدينة (وهي إحصاءات تعذر التحقق منها مستقلة)، بينما أقر وزير الخارجية اليمني بتصاعد إحكام الحوثيين قبضتهم على المدينة. ولم يتوقف الأمر عند الحصار الاقتصادي، بل تجسد في الخطر المباشر بسقوط صواريخ أطلقها الحوثيون على منطقة سكنية مؤخراً، أسفرت عن مقتل فتاتين مراهقتين.

آمال معدومة ومصير معلق

يجد المدنيون في تعز أنفسهم عالقين في دائرة جهنمية تجمع بين خطر القصف، انهيار البنية التحتية، وانعدام الخدمات، فيما تقف غالبية الأسر عاجزة مالياً عن النزوح نحو مناطق آمنة. وتختصر كلمات هديل الشهيد عمق המأزق: "لا مفرّ من البقاء في منزلنا، سواء كان ذلك مسألة حياة أو موت".

إن ما تشهده تعز يكشف بوضوح عن تحول الأزمة إلى أداة ضغط تتجاوز خطوط المواجهة العسكرية لتصيب أبسط مقومات البقاء الإنساني. ومع استمرار الحصار وتراجع شريان الإمدادات، تتصاعد المخاوف من تحول الأزمة المعيشية إلى كارثة صحية وإنسانية واسعة النطاق يدفع المدنيون وحدهم فاتورتها الباهظة.