اسرار | بيانات التغلغل الاستراتيجي: مقتل وفقدان خبراء من (الحرس الثوري) يكشف الهندسة الإيرانية لمعركة الساحل الغربي وتهديد الملاحة الدولية
عبدالملك محمد | تحرير استراتيجي خاص
تتكشف تباعاً الأدلة الدامغة والبيانات الاستخباراتية التي تؤكد التحول النوعي في طبيعة الدور الإيراني باليمن؛ إذ لم يعد التواجد الإيراني مقتصراً على الدعم اللوجستي وتزويد مليشيا الحوثي بالسلاح عن بُعد، بل انتقل إلى المشاركة الميدانية المباشرة والإدارة الفعلية لمسار المعارك، لا سيما في جبهات الساحل الغربي والممرات البحرية القريبة من مضيق باب المندب.
وقد وسّع التصعيد العسكري الحوثي الأخير خلال شهر سبتمبر الغطاء عن انتشار مكثف لقيادات وخبراء من "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري الإيراني، الذين تولوا تخطيط وتوجيه العمليات الهادفة لقضم الجبهات الساحلية، والسيطرة على المنافذ البحرية والجزر، ونشر أسلحة نوعية باتت تشكل تهديداً غير مسبوق للملاحة البحرية والجيو-فضائية والجوية الدولية.
أولاً: خريطة الاستنزاف البشري.. مقتل وفقدان قيادات شفرة "الحرس الثوري" في تعز
كشفت تقارير استخباراتية موثقة، نقلتها منصات دولية بينها وكالة «شيبا إنتليجنس»، عن ضربات موجعة تلقتها الخلية التشغيلية التابعة للحرس الثوري في محافظة تعز.
• المواجهة الميدانية في مقبنة: لقي خبيران يتبعان الحرس الثوري الإيراني حتفهما، فيما فُقد أثر اثنين آخرين، إثر استهداف دقيق لمركبة كانت تقلهم في مديرية مقبنة غربي تعز. وبحسب المعلومات، كانت القافلة قد انطلقت من منطقة "البرح" متخفية بزي محلي، وضمت أربعة عناصر يتحدثون العربية بلهجة غير يمنية ويحملون حقائب تقنية ضخمة وأجهزة اتصالات فضائية متطورة.
• الكمين والتتبع: عقب انفصال الحافلة التي تضم الخبراء الأربعة ومرافقتهم الأمنية عن الرتل الرئيسي باتجاه جبل حبشي، تعرضت لضربة جوية مركزة. واستنفرت المليشيا الحوثية طواقم أمنية خاصة لموقع الحادث حيث جرى انتشال جثتين، وسط تكتم شديد وغموض يكتنف مصير الاثنين الآخرين بين الأسر أو القتل.
• التواجد المباشر في الخطوط الأمامية: تؤكد هذه الحادثة، إلى جانب البيانات العسكرية الصادرة عن الجيش اليمني بشأن مقتل 4 خبراء إيرانيين في تعز، أن طهران انتقلت من التخطيط من خلف السواتر إلى قيادة المناورات التكتيكية في خطوط التماس الأمامية مع قادة الفصائل الحوثية، مستفيدة من صور الأقمار الصناعية وتحليل البيانات الاستخباراتية التي تديرها طهران مباشرة.
ثانياً: "في قلب العدو".. عملية استباقية تفكك شبكة اتصالات هجينة في صنعاء
في تجميع خيوط المواجهة الاستخباراتية، كشفت المصادر عن تنفيذ عملية استباقية معقدة في عمق العاصمة صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين، أُطلق عليها اسم "في قلب العدو"، هدفت إلى شلّ شبكة اتصالات سرية أقامها الحرس الثوري.
• بنية هندسية هجينة: طوّر الحرس الثوري بنية اتصالات عسكرية هجينة تجمع بين كابلات الألياف الضوئية وأنظمة البث اللاسلكي الفضائي ذات التردد المقاوم للتشويش. وتم ربط المفاصل الرئيسية لهذه الشبكة بمحطات توجيه محصنة في قمم "جبل عيبان" ومنطقة "عطان"، وتسيير أبراج اتصالات متحرّكة فوق مركبات قتالية لتأمين التغطية أثناء الهجوم على المخا وباب المندب.
• الاختراق والضربة المتزامنة: نفذت القوات المعنية عملية خاطفة اعتمدت على الجمع بين التتبع الجوي عبر الطائرات المسيرة لنقاط الاتصال، والإنزال/الاختراق الميداني الخاطف لغرفة الاتصالات الرئيسية. وأسفرت العملية الاستباقية عن إحباط هجوم واسع النطاق كان يخطط له الحرس الثوري ضد أهداف إقليمية وسعودية، ومقتل أربعة خبراء إيرانيين وتدمير المقر التقني بالكامل.
ثالثاً: سلاح "الصواريخ المتسكعة".. نقل التهديد إلى الممرات الجوية والملاحة الدولية
لم يعد الخطر الإيراني محصوراً في المسيرات والصواريخ الباليستية التقليدية، بل امتد ليشمل ادخال تكنولوجيا دفاع جوي وهجومي مطوّرة تُهدد حرية الطيران المدني والتجاري جنوبي البحر الأحمر.
مواصفات المنظومة الإيرانية المعدلة في الساحل الغربي:
- نظام التسكع (Loitering): القدرة على التحليق البطيء للبقاء في الجو لمدة تصل إلى 25 دقيقة بانتظار مسار الهدف.
- التوجيه الحراري: الاعتماد الكامل على التتبع الحراري للانقضاض، مما يجرّدها من القدرة على التمييز بين الأهداف العسكرية والمطارات أو طائرات الركاب والرحلات الإنسانية.
- ملاذات الإطلاق: اتخاذ شواطئ ومنشآت محافظة الحديدة منصات لإطلاق هذه الصواريخ باتجاه الممرات الجوية الدولية والدول المطلة على الساحل.
رابعاً: تحليق المناهج والتكتيكات.. أبعاد الدعم الإيراني المستمر
تتزامن هذه التطورات الميدانية مع ما كشفت عنه وكالة «أسوشيتد برس» حول حجم التدفق العسكري الإيراني، حيث أرسلت طهران في يوليو/تموز الماضي رحلات جوية ونشّطت خطوط تهريب بحرية لنقل دفعات جديدة من مستشاري الحرس الثوري وعناصر من "حزب الله" إلى صنعاء والحديدة.
ولم يقتصر الدعم الإيراني على نقل التقنيات؛ بل أخذ طابعاً شاملاً عبر:
1. القيادة والتأطير الميداني: توجيه العمليات القتالية وإدارة غرف الملاحظة والسيطرة.
2. المنظومات البحرية غير المأهولة: تزويد المليشيا بزوارق انتحارية غاطسة ومسيرة عن بعد ذات تقنيات توجيه إيرانية.
3. التأطير العقائدي والفكري: التوازي بين التصعيد العسكري والتغلغل الثقافي عبر تعميم المناهج الطائفية وتجفيف البنية التعليمية لصالح المجهود الحربي.
أبعاد التقرير الاستراتيجي:
يقدم هذا المشهد المتكامل دليلاً على أن معركة الساحل الغربي والبحر الأحمر لم تعد مجرد جبهة محلية في نزاع يمني داخلي، بل استحالت ميدان مواجهة إقليمي ودولي مباشر، حيث تستخدم طهران الذراع الحوثية كمظلة لتجريب أسلحة ردع هجينة، وشن حرب وكالة تعتمد على نقل التهديد من الأرض والبحار إلى أمن المجال الجوي والملاحة العالمية.