اسرار | بالادلة- تنامي تعاون الحوثيين والقراصنة الصوماليين يهدد الملاحة في خليج عدن

اسرار | بالادلة- تنامي تعاون الحوثيين والقراصنة الصوماليين يهدد الملاحة في خليج عدن

متابعات خاصة |

عاد شبح القرصنة الصومالية إلى مياه خليج عدن والمحيط الهندي بصورة مقلقة، بالتزامن مع تصاعد الهجمات الحوثية على السفن في البحر الأحمر، وسط مؤشرات وتحليلات دولية تتحدث عن تنامي أشكال من التعاون أو التخادم بين شبكات القرصنة الصومالية وجهات إجرامية مرتبطة بالجانب اليمني، بما يضيف تهديدًا جديدًا إلى واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.

وكشفت وكالة رويترز ، نقلًا عن خبراء في الأمن البحري، عن وجود أدلة على صلات بين القراصنة الصوماليين والحوثيين في عمليات استهداف واختطاف السفن، خصوصًا بعد تزايد حوادث الاستيلاء على سفن بالقرب من السواحل اليمنية. ويأتي ذلك مع اختطاف ناقلة المنتجات النفطية سيبو 1 ، التي ترفع علم إريتريا، واقتيادها باتجاه سواحل الصومال.

وتبرز خطورة الحادثة بصورة أكبر بسبب خلفية الناقلة؛ إذ كانت وزارة الخزانة الأمريكية قد فرضت عليها عقوبات في ديسمبر الماضي، معتبرة أنها تعمل ضمن أسطول ظل يساعد إيران على الالتفاف على العقوبات المتعلقة بصادراتها النفطية. لكن ارتباط السفينة بالعقوبات لا يقدم بحد ذاته دليلًا على وجود تنسيق مباشر بين القراصنة والحوثيين، وهو ما يجعل إثبات طبيعة العلاقة بين الطرفين بحاجة إلى معلومات استخباراتية وتحقيقات أكثر شمولًا.

وبحسب بيانات أمنية نقلتها تقارير دولية، فقد سيطر ستة مسلحين على سيبو 1 على بعد نحو 252 كيلومترًا شرق المكلا، قبل أن يتم تحويل مسارها نحو ساحل بونتلاند، وكان على متنها 20 فردًا من الطاقم، بينهم 16 هنديًا.

وتشير المعطيات إلى أن سيبو 1 ليست حادثة معزولة، إذ باتت سادس سفينة تجارية يختطفها قراصنة صوماليون منذ 21 أبريل/نيسان، فيما أفادت بيانات المكتب البحري الدولي بأن عدد الهجمات المسجلة هذا العام قبالة سواحل الصومال وخليج عدن بلغ 13 هجومًا على الأقل، مقارنة بخمس هجمات فقط طوال عام 2025.

فراغ أمني يعيد القرصنة إلى البحر

وتعيد هذه التطورات إلى الأذهان موجة القرصنة الصومالية التي بلغت ذروتها بين عامي 2008 و2014، عندما تحولت الهجمات إلى أزمة أمنية دولية كلفت الاقتصاد العالمي مليارات الدولارات، قبل أن تتراجع بشكل كبير نتيجة عمليات بحرية دولية منسقة وتعزيز إجراءات حماية السفن.

إلا أن التراجع لم يكن استئصالًا حقيقيًا للظاهرة، وفق خبراء نقلت عنهم رويترز ، إذ بقيت عواملها الأساسية قائمة في ظل هشاشة الوضع الأمني والاقتصادي في الصومال، وهو ما يجعل عودة القرصنة ممكنة كلما تراجعت الرقابة البحرية أو انشغلت القوات الدولية بتهديدات أخرى.

وقال الباحث في معهد الدراسات الأمنية في بريتوريا تيموثي ووكر إن القرصنة يتم كبحها دائمًا، لكنها لم تستأصل تمامًا ، في إشارة إلى قابلية الشبكات الإجرامية لإعادة تنظيم نفسها عند توفر الظروف المناسبة.

الأكثر إثارة للقلق هو احتمال تقاطع مصالح الحوثيين مع شبكات القرصنة، حتى وإن لم تتوافر حتى الآن أدلة علنية كافية لإثبات وجود قيادة مشتركة أو اتفاق مباشر بين الطرفين.

ويرى الباحث جاي باهادور أن الاستيلاء على سفينة مرتبطة بإيران، مثل سيبو 1 ، أثار لديه شكوكًا قوية بشأن وجود صلات بين الحوثيين وعمليات الخطف الأخيرة، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى وجود دعم من مواطنين يمنيين للقراصنة الصوماليين، بما في ذلك شبكات مرتبطة بتهريب الأسلحة.

ويكتسب هذا الطرح أهمية بالنظر إلى وجود علاقات إجرامية عابرة للبحر الأحمر بين شبكات تهريب يمنية وصومالية، تشمل تجارة الأسلحة والبشر، بما يعني أن البحر الذي يفصل الساحلين اليمني والصومالي لم يعد مجرد ممر جغرافي، بل مساحة لتداخل شبكات مصالح غير قانونية.

حرب إيران توسع دائرة المخاطر

ويربط خبراء تحدثوا لـ رويترز بين تصاعد القرصنة والتوترات الإقليمية المرتبطة بالحرب مع إيران، مشيرين إلى عاملين رئيسيين: ارتفاع أسعار النفط الذي يجعل ناقلات المنتجات النفطية أهدافًا أكثر إغراءً، وتحويل جزء من الأصول البحرية التي كانت مخصصة لمكافحة القرصنة نحو مضيق هرمز والبحر الأحمر لمواجهة التهديدات الإيرانية والحوثية.

وهذا التحول يخلق فراغًا أمنيًا تستفيد منه الجماعات الإجرامية؛ فكلما انشغلت القوات البحرية الدولية بمواجهة تهديدات جديدة، اتسعت المساحات التي يمكن للقراصنة استغلالها، خصوصًا في مناطق معقدة جغرافيًا تمتد من خليج عدن إلى بحر العرب والساحل الصومالي.

عودة القرصنة بالتزامن مع الهجمات الحوثية تضع حركة الملاحة أمام معادلة أكثر تعقيدًا؛ فالسفن لم تعد تواجه خطرًا واحدًا في المنطقة، بل شبكة من المخاطر تتداخل فيها الهجمات المسلحة والقرصنة وتهريب الأسلحة والجريمة المنظمة والتوترات الجيوسياسية.

كما أن استهداف ناقلات مرتبطة بإيران، في حال تحول إلى نمط متكرر، قد يدفع أطرافًا أخرى إلى استغلال الفوضى البحرية لتصفية حسابات أو تحقيق مكاسب مالية، ما يرفع تكلفة التأمين والشحن ويزيد الضغوط على شركات الملاحة التي تمر عبر خليج عدن وباب المندب.

وفي هذا السياق، تبدو عودة القرصنة أكثر من مجرد ظاهرة إجرامية صومالية؛ فهي قد تتحول إلى جزء من مشهد أمني أوسع في البحر الأحمر وخليج عدن، خصوصًا إذا استمرت حالة الانشغال الدولي بالتصعيد الإقليمي.

والخطر الأكبر أن يتحول ما كان في السابق نشاطًا قائمًا أساسًا على طلب الفدى إلى اقتصاد أمني موازٍ تتقاطع فيه مصالح القراصنة مع شبكات التهريب والجماعات المسلحة، بما فيها أطراف يمنية مرتبطة بالحوثيين.

وبذلك، فإن استمرار الهجمات الحوثية والعودة المتسارعة للقرصنة الصومالية قد يفتحان الباب أمام مرحلة جديدة من عدم الاستقرار البحري، لا تهدد السفن وحدها، بل تضرب أمن أحد أهم طرق التجارة العالمية وتمنح شبكات الجريمة المنظمة مساحة أوسع لإعادة بناء نفوذها.