اسرار | بالتفاصيل- إقطاعيات (الولي الفقيه) في صعدة.. تحقيق ميداني يكشف هندسة النهب الحوثي للأراضي وسحق (إمبراطورية الرمان)
صعدة | تحقيق استقصائي :
أماط تحقيق ميداني لثام التكتم الأمني الحاد عن كواليس سوداء تجري في محافظة صعدة—المعقل الرئيسي لمليشيا الحوثي الإرهابية—حيث تنفذ قيادات الجماعة وأجهزتها الأمنية عملية قضم وتجريف ممنهجة للملكيات الزراعية الخاصة، عبر مصادرة الأراضي، ونهب المحاصيل، وفرض إتاوات فلكية تحت تهديد السلاح؛ ما أدى إلى تحويل سلة الفاكهة اليمنية إلى إقطاعيات خاصة تدر ملايين الدولارات لصالح النخبة الحاكمة في صعدة على حساب إفقار وتجويع المزارع اليمني البسيط.
ويكشف التحقيق أن معاناة مزارعي صعدة—الذين يشتهرون بإنتاج أجود أنواع الرمان والفواكه عالمياً—تجاوزت كوابيس الحرب التقليدية إلى مواجهة "إرهاب اقتصادي" منظم، يتلفع بمسميات دينية وقانونية مشبوهة مثل "الحجج الشرعية" و"المجهود الحربي"، في ظل قبضة أمنية حديدية تمارس ترهيباً ممنهجاً لمنع الضحايا من إيصال صوتهم إلى العالم.
أولاً: شهادات حية من جحيم "الإقطاع الحوثي"
وثّق التحقيق الاستقصائي سلسلة من الإفادات الميدانية الصادمة لمزارعين وفلاحين تجرعوا مرارة المصادرة والبطش، وجاءت شهاداتهم لتعري آليات النهب المتبعة:
• تمزيق الوثائق والسطو باسم "الأوقاف": يروي المزارع "أبو محمد" كيف اقتحمت عناصر مسلحة مزرعته، وأبلغته بجرة قلم أن أرضه صودرت لصالح ما تسمى "أوقاف الدولة". ويضيف بحرقة: "أخرجت لهم البصائر والوثائق الرسمية الموروثة عن أجدادي منذ عقود، فما كان منهم إلا أن مزقوها أمامي بدم بارد، قائلين: نحن وحدنا من يحدد صكوك الملكية في هذه البلاد".
• ضريبة "الخُمس" والابتزاز بالمحصول: يؤكد المزارع "سالم" (مالك حقل لإنتاج الرمان) أن مشرفي المليشيا يفرضون إتاوة إجبارية تصل إلى 30% من إجمالي الإنتاج تحت مسمى "الخُمس" أو "دعم الجبهات". وأوضح أن "أي مزارع يبدي تلميحاً بالرفض، يجد نفسه فوراً خلف القضبان بتهمة العمالة، وتُصادر شاحنات محصولة بالكامل".
• جفاف الآبار بقوة السلاح: يروي المزارع "علي" مأساة أخرى، حيث شرعت المليشيا في حفر خنادق وإنشاء معسكر تدريبي ملاصق لبئر المياه الخاص بمزرعته، ما تسبب في جفاف البئر وموت أشجاره. وعندما تجرأ على الاحتجاج، واجهه المشرفون بعبارة صادمة: "عليك التضحية بمائك في سبيل كرامة الوطن، والاعتراض يعني أنك عميل للخارج".
• النهب بذريعة "المشاريع العامة": يكشف الفلاح "أحمد" عن حيلة استثمارية خبيثة؛ إذ صودرت أرضه قسراً تحت لافتة "توسعة خط عام ومصلحة حكومية"، ليفاجأ بعد أسابيع قليلة بتبخير المشروع وتحويل الأرض إلى مساحة تجارية جرى بيعها لمستثمر قيادي ينتمي لـ "سلالة الجماعة"، مشيراً إلى أن لجوءه للقضاء الحوثي كان ضرباً من الوهم.
ثانياً: احتكار الأسواق والإخفاء القسري للمناهضين
ولم تقتصر الجريمة على مصادرة التربة، بل امتدت لخنق حلقة الإنتاج والتسويق بالكامل عبر تكتيكات احتكارية شرسة:
• حصار كارتلات التجارة: يفيد التاجر "حسين" (المتخصص في تسويق الفاكهة) بأن المليشيا حظرت على مزارعي صعدة بيع محاصيلهم في السوق المفتوحة، وأجبرتهم على البيع الحصري لشركات وتجار تابعين للجناح المالي للحوثيين بأسعار بخسة، ليتم نقلها لاحقاً وصعق المستهلكين بها بأسعار مضاعفة في أسواق صنعاء، فضلاً عن وضع عراقيل تعجيزية أمام أي محاولة لتصدير الرمان إلى دول الجوار لحصر العائدات في جيب "اقتصاد الصعداويين".
• سجون خاصة للمعتصمين بالحق: تختزل "فاطمة" (زوجة مزارع مختطف) البعد الإنساني الدامي لهذه المؤامرة؛ حيث تؤكد أن زوجها اختفى قسرياً منذ شهرين عقب اعتراضه على قضم مساحة من مزرعته. وتقول: "نُقل إلى زنزانة سرية تابعة للمشرف، بينما تقوم عناصر الحوثي الآن بجني ثمار أرضنا وبيعها لحسابهم، ونحن نعيش على ما تجود به المنظمات الإغاثية".
ثالثاً: الخلاصة الاستراتيجية للتحقيق
"إن ما تشهده محافظة صعدة يتجاوز كونه مجرد نزاعات عقارية فردية؛ بل هو 'استراتيجية تجويع وتجريف جيوسياسي' مكتملة الأركان. تهدف المليشيا من خلالها إلى سحق الاستقلال الاقتصادي للمجتمع المحلي، وتحويل المزارعين الأحرار إلى مجرد عمال سخرة في أراضيهم التاريخية، لبناء طبقة اقتصادية سلالية جديدة تمتلك الأرض والثروة والسلاح."
ويتحين مزارعو صعدة—الذين تحولت حقولهم الخضراء إلى معسكرات ومساحات منهوبة—فرصة الخلاص واستعادة دولة النظام والقانون، مؤكدين أن سياسة الـتركيع بسلاح الجوع لن تمحو وثائق ملكيتهم المعمدة بعرق الأجداد، وأن جمر الغضب المكتوم تحت رماد القمع القائم قاب قوسين أو أدنى من الانفجار.