اسرار دولية | بروباغندا (المقاومة) في مواجهة الانقسام المعيشي.. طهران تسوّق تفاهماتها مع واشنطن (انتصاراً تاريخياً) وسط غليان داخلي

اسرار دولية | بروباغندا (المقاومة) في مواجهة الانقسام المعيشي.. طهران تسوّق تفاهماتها مع واشنطن (انتصاراً تاريخياً) وسط غليان داخلي

متابعات: تواجه القيادة الإيرانية تحدياً استراتيجياً معقداً وهي تحاول هندسة الوعي العام حول مذكرة التفاهم الناشئة مع الولايات المتحدة؛ إذ تسعى جاهدة لتسويق الاتفاق ليس بوصفه تراجعاً أو رضوخاً، بل باعتباره ثمرة مريرة لـ "سياسة المقاومة"، في محاولة لامتصاص الضغوط الاقتصادية الطاحنة واحتواء الانقسامات السياسية العميقة التي تنهش أروقة صناعة القرار في طهران.

وفي مشهد سياسي غارق في الاستقطاب، تبذل حكومة الرئيس مسعود بزشكيان جهوداً حثيثة لترويج الاتفاق؛ حيث وصفت النخبة الحاكمة الصفقة بأنها "خطوة استراتيجية نحو النصر النهائي". وذهب بزشكيان إلى حد وصف التفاهم بـ "التحول التاريخي" الذي يمتلك القدرة—في حال تنفيذه بالكامل—على تفكيك أزمات إيران المعقدة وخلق "عالم مختلف" لمصالح البلاد الإقليمية.

سردية "النصر" وبدائل الاستسلام

وترتكز البروباغندا الرسمية في طهران على تقديم الاتفاق كـ "هزيمة للمخططات الأمريكية-الإسرائيلية"، مستندة إلى الحجج التالية:

إفشال تغيير النظام: عجز واشنطن وتل أبيب عن إجبار طهران على الاستسلام المطلق أو الإطاحة بنظام الولي الفقيه.

شرعنة البرنامج النووي: الفشل في إنهاء الطموح النووي الإيراني بالقوة، وبقاء إيران كطرف أصيل على طاولة المفاوضات.

حماية الأذرع الإقليمية: الإخفاق في قطع خطوط الإمداد مع حزب الله، بل وشمول الساحة اللبنانية في إطار التهدئة مقابل تخفيف العقوبات.

جبهة المحافظين: الاتفاق يحوّل إيران إلى "مستعمرة"

لكن هذا السرد الرسمي يصطدم بجدار من المعارضة الشرسة داخل معسكر المحافظين والمتشددين؛ إذ وصفت قيادات نافذة مسودة الاتفاق بأنها "وثيقة استسلام ستساق بها إيران لتبدو كمستعمرة أمريكية".

واتهم الجناح الراديكالي المتغلغل في مؤسسات الأمن القومي الوفد المفاوض بتجاوز "الخطوط الحمراء" والالتفاف على توجيهات المرشد الأعلى علي خامنئي، لا سيما تلك المتعلقة بالسيادة على مضيق هرمز، مما يعكس تصدعاً حاداً في جبهة القرار الإيراني.

"بينما تتصارع النخب في طهران على صياغة مفاهيم 'النصر والهزيمة'، ينصب اهتمام الشارع الإيراني المنهك على أسعار السلع الأساسية، وتخفيف وطأة العقوبات، وتبديد كوابيس حرب إقليمية شاملة التهمت الأخضر واليابس."

<من قراءة لمحلل شؤون الشرق الأوسط>

الاقتصاد المأزوم وهشاشة التفاهمات

وتظل المقصلة الاقتصادية—التي أحدثتها سنوات العقوبات الطويلة وكلفة تمويل الحروب بالوكالة—المحرك الأساسي الذي أجبر البراغماتيين في طهران على تجرع سم المفاوضات. ورغم أن تفاصيل المذكرة لا تزال محاطة بالسرية والتعقيد، فإن إيران تحاول استغلال التصدعات البارزة في جدار العلاقات بين واشنطن وتل أبيب لتحقيق مكاسب مرحلية.

ومع ذلك، يظل هذا الاتفاق معلقاً على كف عفريت؛ إذ إن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية المكثفة في لبنان قد يضع طهران تحت مقصلة الرد الإجباري لحفظ ماء وجهها، وهو ما يهدد بانسداد هذا المتنفس المؤقت، ليظل المحك الحقيقي للنجاح في نظر الجمهور الإيراني ليس في البيانات الرنانة، بل في استقرار بورصة الأسعار وتوقف دوي المدافع.