اسرار | فضيحة التصويت ضد قرار المساءلة المناخية والتعويضات .. انتحار ديبلوماسي على رصيف جاف: كيف صوّتت اليمن ضد نفسها في الجمعية العامة للأمم المتحدة؟?

اسرار | فضيحة التصويت ضد قرار المساءلة المناخية والتعويضات .. انتحار ديبلوماسي على رصيف جاف: كيف صوّتت اليمن ضد نفسها في الجمعية العامة للأمم المتحدة؟?

د. عبدالقادر الخراز 

بينما كان اليمنيون يتبادلون التهاني بمناسبة عيد الوحدة المجيد (22 مايو)، جاءت رياح نيويورك بما لا تشتهي سفن الداخل العطش. ففي 21 مايو 2026، وبينما يعيش المواطن اليمني تفاصيل أزمته اليومية المعقدة، فجّرت البعثة الدبلوماسية اليمنية مفاجأة من العيار الثقيل في أروقة الأمم المتحدة، مصوّتةً ضد القرار الأممي رقم  A/80/L.65 الخاص بالتغير المناخي، لتضع البلاد في موقف يثير من السخرية أكثر مما يثير من التساؤل.

المفارقة السريالية: نادي الكبار.. واليمن!
اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار بأغلبية ساحقة (141 دولة) مقابل معارضة  8 دول فقط. هذا القرار المستند إلى الرأي الاستشاري التاريخي لمحكمة العدل الدولية (يوليو 2025)، يُلزم الدول قانونياً بخفض الانبعاثات، وفتح لأول مرة باب "المساءلة المناخية"؛ أي حق الدول المتضررة في مقاضاة ومطالبة الدول الملوِّثة بتعويضات عن أضرار المناخ.
وهنا تجلت الكوميديا السوداء؛ حيث اختارت اليمن - بكامل إرادتها الدبلوماسية - أن تصطف في خندق المعارضة، والمؤسف أنه جاء ضد مصلحتنا مباشرة. اليمن ليست دولة صناعية، ولا تملك مصانع عملاقة تلوث الكوكب، بل إن انبعاثاتها الكربونية تكاد لا تُرى بالمجهر، ومع ذلك تطوعت لحماية عمالقة التلوث العالمي من المساءلة!

الواقع اليمني: عطش، وتصحر، وغرق (الأرقام لا تكذب)
بينما يدافع المصوّت اليمني عن حق الدول الكبرى في تدمير البيئة، يكشف الواقع المحلّي عن كارثة وجودية مرعبة:
• المجاعة المائية: تصنف اليمن في المرتبة السابعة عالمياً في شُح المياه. حصة الفرد السنوية  86 متراً مكعباً فقط (مقارنة بـ 500 متر مكعب كحد أدنى عالمي). الأحواض المائية تستنزف بضعف قدرتها على التجدد، وبعضها يهبط بمعدل  8 أمتار سنوياً؛ نحن حرفياً نشرب مياه الأجيال القادمة.
• انتحار الغطاء النباتي والزراعة: ارتفعت معدلات التصحر من 90% عام 2014 إلى 97% عام 2022. البلاد تخسر سنوياً 3% إلى 5% من أراضيها الزراعية، وتم احتطاب 5 ملايين شجرة منذ 2018 بسبب أزمة الوقود، في بلد يعاني فيه 17  مليون إنسان من انعدام الأمن الغذائي الحاد.
• عدن تحت التهديد: تُصنّف مدينة عدن سادس أكثر مدن العالم هشاشة أمام الفيضانات الساحلية. ومع توقع ارتفاع مستوى البحر بين 0.3  و 0.54 متر بحلول 2100، فإن البنية التحتية الساحلية مهددة بالزوال.
• فاتورة اقتصادية باهظة: يتوقع البنك الدولي أن التغير المناخي سينتزع من الناتج المحلي الإجمالي لليمن ما بين 3% إلى 4% سنوياً بحلول عام 2040.

التداعيات: كيف أطلقنا النار على أقدامنا الدبلوماسية؟
إن هذا التصويت اللامسؤول لن يمر دون أثر، بل سيترك تداعيات عميقة ومباشرة على مستقبل البلاد:
الأثر القانوني والدبلوماسي: إضعاف الموقف القانوني المستقبلي لليمن؛ إذ كيف سنطالب بتعويضات مناخية أمام المحاكم الدولية ونحن قد رفضنا الإطار القانوني والمساءلة التي تمنحنا هذا الحق؟
الأثر على التمويل المناخي: قطع غصن الزيتون مع المانحين؛ اليمن من أكبر المستفيدين المفترضين من "صناديق الخسائر والأضرار". والجهات المانحة الرئيسية (الاتحاد الأوروبي والدول الجزرية) هي من تبنت القرار، ومن الصعب استجداء أموالهم بعد معارضتهم علناً. وهذا سيكون أثره على تمويل المشاريع التي تمس حياة الناس أكثر سلبية من تلك التمويلات التي ستذهب الى أصحاب رؤوس الأموال والبنوك التي دخلت سوق التغير المناخي باليمن.
السمعة الدولية: خسارة المصداقية؛ فالبلاد تُصنف كالدولة رقم 22 الأكثر هشاشة مناخياً، والـ 12 الأقل استعداداً للتكيف، والآن دخلت التاريخ كضحية تدافع عن الجلاد.

خاتمة: أيّ "يمن" هذا الذي صوّت؟
يضعنا هذا المشهد أمام تساؤل جوهري ومحرج: من الذي صوّت باسم اليمن في نيويورك؟
من الواضح أن الحكومة المعترف بها دولياً قد آثرت التبعية العمياء والمجاملة الدولية على حساب مصالح شعبها المنهك. لقد جرى تقديم المصلحة البيئية والاقتصادية لليمنيين كقربان في سوق النخاسة.
إن التغير المناخي في اليمن ليس رفاهية فكرية أو ملفاً هامشياً يمكن مقايضته في ردهات الأمم المتحدة؛ إنه مسألة حياة أو موت، وأزمة بقاء ترتبط بالماء والغذاء والأمن القومي. وحتماً، فإن التاريخ سيتذكر طويلاً أن اليمن صوّتت يوماً لتمنح الدول الملوثة صك براءة، بينما كانت أرضها تجف، وبحرها يبتلع شواطئها.

#لن_نصمت #وين_الفلوس