اسرار | معركة الأرشيف.. لماذا يسابق الحوثيون الزمن لـ"مركزة بيانات التأمينات والمعاشات"؟
في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المؤسسات الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي في العاصمة المختطفة صنعاء وبقية المناطق المنكوبة، برز مشروع "الأرشفة الإلكترونية" لهيئة التأمينات والمعاشات ضمن حزمة أوسع من الإجراءات التي تُقدَّم تحت لافتة التحديث الإداري وأتمتة البيانات.
وتهدف المليشيا الإرهابية إلى تحويل الملفات الورقية الخاصة بالموظفين والمتقاعدين إلى قاعدة بيانات رقمية موحدة، بما يتيح تسهيل الوصول إلى المعلومات، وتسريع الإجراءات، وتقليل الفاقد الإداري؛ غير أن هذا الطرح، الذي يبدو منسجمًا مع الاتجاهات العالمية نحو الرقمنة، يصطدم بواقع محلي شديد التعقيد، حيث تتداخل الاعتبارات الإدارية مع الحسابات السياسية والأمنية في إدارة مؤسسات مهمة.
فمنذ أواخر العام 2024، بدأت ملامح هذا التوجه بالظهور من خلال تدشين مشاريع مماثلة في عدد من الوزارات، قبل أن يتسع نطاق التطبيق خلال عام 2025 ليشمل هيئة التأمينات والمعاشات، وهي واحدة من أكثر المؤسسات حساسية، نظرًا لارتباطها المباشر بحقوق مئات الآلاف من الموظفين والمتقاعدين.
ومع انتقال المشروع من مرحلة الإعلان إلى التنفيذ، برزت مؤشرات على توجه موازٍ نحو مركزية البيانات، تمثل في نقل الأرشيفات من الفروع المحلية في المحافظات إلى العاصمة المحتلة صنعاء، وربطها بنظام إلكتروني موحد يخضع لإدارة مركزية.
هذا التحول لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق العام للصراع في اليمن، حيث تسعى المليشيا إلى ترسيخ نفوذها داخل مؤسسات الدولة، وتأمين أدوات السيطرة في أي مرحلة سياسية قادمة.. وفي هذا الإطار، تكتسب بيانات التأمينات والمعاشات أهمية استراتيجية، كونها تمثل قاعدة معلومات دقيقة عن البنية الوظيفية، بما في ذلك سجلات التوظيف، والرواتب، والاستحقاقات المالية، وهو ما يمنح الجهة المسيطرة عليها قدرة كبيرة على التأثير في مصير هذه الفئات.
وعلى الرغم من الخطاب الحوثي الذي يركز على التحديث، إلا أن طبيعة الإجراءات المصاحبة للمشروع، والتوقيت الذي يتم فيه تنفيذه، يثيران تساؤلات جدية حول أهدافه غير المعلنة؛ فهل تمثل الأرشفة الإلكترونية أداة جديدة لإعادة ترتيب مراكز القوة داخل الدولة، عبر إحكام السيطرة على أحد أهم مفاتيحها.. البيانات؟
بداية الخطة
خطاب التحديث الإداري
في نوفمبر 2024، أعلنت وزارة الخدمة المدنية غير المعترف بها في صنعاء تدشين مشروع نظام الأرشفة الإلكترونية، ضمن ما وصفته بتطوير وتحديث منظومة العمل الإداري.
وبحسب وسائل إعلام حوثية، تفيد أن أرقاماً أولية لهيئة التأمينات والمعاشات تشير إلى وجود أكثر من 55 ألف ملف مؤرشف إلكترونياً، إضافة إلى أكثر من 2 مليون وثيقة تم إدخالها ضمن النظام، في مؤشر على حجم البيانات التي يجري العمل على إعادة أرشفتها وتنظيمها ضمن مشروع الأرشفة.
لا يقتصر هذا النظام على عملية المسح الضوئي للوثائق، بل يشمل بناء قواعد بيانات مترابطة، تتيح تصنيف الملفات وفق معايير متعددة، مثل الرقم الوظيفي، جهة العمل، سنوات الخدمة، والحالة التأمينية، كما يُفترض أن يتيح النظام إمكانية تتبع التعديلات على البيانات، وتحديثها بشكل مستمر، بما يخلق سجلاً رقمياً متكاملاً لكل موظف أو متقاعد.
هذا التوجه يعكس، من حيث الشكل، محاولة لإعادة تنظيم العمل الإداري داخل المؤسسات الخاضعة لسيطرة المليشيا، خصوصاً في ظل التحديات التي فرضتها سنوات الحرب، غير أن هذا الطرح لا ينفصل عن طبيعة البيئة التي يُطبق فيها، حيث تظل مسألة إدارة البيانات، ومن يملك حق الوصول إليها، وكيفية استخدامها، من القضايا الحساسة التي تتجاوز البعد الإداري البحت، فالأرشفة الإلكترونية، في هذا السياق، تعني إعادة تعريف العلاقة بين المؤسسة والموظف، من خلال تحويل البيانات إلى أداة مركزية في اتخاذ القرار.
نقل الأرشيف إلى صنعاء
من التحديث إلى المركزية
تحدثت مصادر خاصة لـ "الساحل الغربي"، أن مشروع الأرشفة الذي تنفذه مليشيا الحوثي الإرهابية لم يقتصر على رقمنة البيانات داخل الفروع المحلية، بل تضمن أيضًا نقل الملفات الورقية الأصلية من مختلف المحافظات إلى العاصمة المحتلة صنعاء.
وأكدت أنه هذه العملية قد بدأت بشكل فعلي منذ سبتمبر 2025، حيث شملت في مراحلها الأولى محافظة ذمار وعمران وإب وصولًا إلى منطقة الحوبان، الجزء غير المحرر في محافظة تعز، وسط إجراءات تنظيمية وأمنية رافقت عمليات النقل، شملت حصر الوثائق، وفرزها، وتجهيزها للنقل إلى مراكز تجميع رئيسية.
وتشير شهادات من داخل بعض الفروع إلى أن عمليات النقل لم تكن مجرد إجراء تقني، بل رافقها نوع من الاستعجال في إخلاء الأرشيفات المحلية، وإعادة ترتيبها وفق آلية مركزية موحدة، كما تم، في بعض الحالات، تقليص دور الفروع إلى مهام تنفيذية محدودة، بعد أن كانت تحتفظ بسجلاتها وتدير شؤونها بشكل شبه مستقل، وهو ما يعكس تحوّلاً في طبيعة العلاقة بين المركز والأطراف داخل المؤسسة.
وبحسب مصادر "الساحل الغربي"، يُشرف على هذا التوجه المدعو شرف الدين الكحلاني، منتحل صفة رئيس المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، ويُعد من الشخصيات المرتبطة بهيكل الإدارة المالية للمليشيا.. وتشير إلى أن الكحلاني يقود عملية إعادة تنظيم هيئة التأمينات والمعاشات، بما يشمل توحيد قواعد البيانات، ونقل مركز التحكم إلى صنعاء، إضافة إلى إعادة توزيع الصلاحيات داخل الهيئة بما يتماشى مع هذا التوجه المركزي.
وفي هذا السياق، يجري العمل على إنشاء ما يشبه "مستودع بيانات مركزي" تُجمع فيه كافة المعلومات القادمة من الفروع، سواء كانت رقمية أو ورقية، ليتم إدخالها لاحقًا ضمن النظام الإلكتروني.. هذه الخطوة تمنح الإدارة المركزية قدرة أكبر على الإشراف المباشر على البيانات، ومراجعتها، وتحديثها، دون الحاجة للرجوع إلى الفروع، وهو ما يُعد تحولاً جذرياً في آلية اتخاذ القرار داخل المؤسسة.
يقول مراقبون إن نقل الأصول الوثائقية، وليس فقط نسخها رقميًا، يطرح تساؤلات إضافية حول دوافع هذا الإجراء، إذ أن الممارسات الإدارية المعتادة في مشاريع الأرشفة تكتفي غالبًا برقمنة الوثائق مع إبقاء النسخ الأصلية في مواقعها، كإجراء احترازي، أما في هذه الحالة، فإن تجميع الأصول في موقع واحد يعكس توجهًا يتجاوز الاعتبارات الفنية، نحو إعادة تموضع السيطرة المادية على الوثائق نفسها.
هذا التحول من نظام كان يعتمد على وجود فروع تحتفظ ببياناتها، إلى نظام مركزي تتحكم فيه المليشيا، يمثل نقطة مفصلية في فهم طبيعة المشروع، حيث يؤكد خبراء أنه يعكس توجهًا نحو إحكام السيطرة على المعلومات، خصوصًا تلك المتعلقة بالموظفين والمتقاعدين، والتي تُعد من أكثر أنواع البيانات حساسية وتأثيراً.
ويذهب بعض المختصين إلى أن هذا النمط من المركزية قد يؤدي إلى تقليص مرونة العمل الإداري في الفروع، ويزيد من اعتمادها على المركز في كل صغيرة وكبيرة، ما قد ينعكس سلباً على سرعة تقديم الخدمات للمواطنين، كما أن فقدان النسخ الأصلية في المحافظات قد يخلق إشكاليات مستقبلية في حال حدوث نزاعات قانونية أو إدارية تتطلب الرجوع إلى الوثائق.
خريطة بشرية
الأرشفة.. أداة للسيطرة
تُعد بيانات التأمينات والمعاشات من أكثر قواعد البيانات حساسية في أي دولة، إذ تحتوي على معلومات تفصيلية حول الموظفين، بما في ذلك تاريخ التوظيف، الرواتب، الاشتراكات، والاستحقاقات التقاعدية، وفي سياق الحرب في اليمن، تكتسب هذه البيانات أهمية إضافية، نظراً لاستخدامها المحتمل في إعادة تشكيل الهيكل الوظيفي، من حيث تحديد من يستمر داخل المنظومة ومن يُدفع إلى خارجها.
وتكمن خطورة هذه البيانات في كونها تمثل "خريطة بشرية" دقيقة للجهاز الإداري، تتيح لمن يمتلكها القدرة على تحليل التركيبة الوظيفية بحسب الانتماء الجغرافي، والمؤسسي، وسنوات الخدمة، وحتى المسارات المهنية للأفراد، ومع وجود نظام إلكتروني موحد، تصبح هذه البيانات قابلة للفرز والتصنيف بسرعة، ما يفتح المجال أمام اتخاذ قرارات جماعية مبنية على معايير قد لا تكون معلنة أو خاضعة للرقابة.
ويحذر مختصون من أن السيطرة على هذه البيانات قد تتيح للمليشيا تنفيذ سياسات إقصاء أو تهميش بحق فئات معينة من الموظفين، سواء لأسباب سياسية أو مناطقية، كما قد تُستخدم في إعادة توزيع الامتيازات الوظيفية، أو في فرض شروط جديدة على صرف المعاشات، كربطها بإجراءات تحقق إضافية، أو تحديث بيانات إلزامي، أو مراجعات دورية قد تُستخدم كأداة لتقييد الوصول إلى الحقوق.
ولا تقتصر المخاوف على الإقصاء المباشر، بل تمتد إلى ما يمكن وصفه بالإقصاء غير المعلن، من خلال تعطيل الإجراءات، أو تأخير المعاملات، أو إعادة تصنيف بعض الحالات بطريقة تؤدي إلى تقليص الاستحقاقات، ففي ظل نظام رقمي مركزي، يمكن إدخال تعديلات على البيانات أو إعادة تفسيرها دون الحاجة إلى الرجوع إلى الوثائق الأصلية أو إشراك الجهات المحلية، وهو ما يقلل من فرص الاعتراض أو الطعن.
وتعزز هذه المخاوف ملاحظات واردة من داخل المؤسسات، تشير إلى احتمال وجود إجراءات قادمة تتعلق بتنزيل أسماء من كشوفات التأمينات، أو إعادة تقييم استحقاقات بعض المتقاعدين.. وتشير المصادر إلى أن هناك مراجعات داخلية تُجرى على ملفات قديمة، بدعوى تنقية البيانات أو تصحيح الأخطاء، وهي عناوين فضفاضة تُستخدم لإعادة النظر في أوضاع عدد من المستفيدين.
كما يُخشى أن تُستخدم البيانات في بناء قوائم تصنيفية غير معلنة، تُحدد مستويات الأولوية في صرف المستحقات أو الوصول إلى الخدمات، وهو ما قد يؤدي إلى خلق تفاوتات داخل الفئة الواحدة من الموظفين والمتقاعدين، وفي بيئة تعاني من تأخر صرف الرواتب والمعاشات، فإن أي تغيير في آلية التوزيع قد يكون له أثر مباشر على الأوضاع المعيشية لآلاف الأسر.
استراتيجية التحكم
يتمثل أحد الأبعاد الأكثر إثارة للقلق في توقيت مشروع الأرشفة الإلكترونية وسياقه السياسي، إذ يتزامن مع مرحلة تتسم بتكثيف الجهود الإقليمية والدولية لإحياء مسار التسوية في اليمن، وما يترافق مع ذلك من نقاشات حول ترتيبات ما بعد الحرب.
وفي هذا الإطار، يمكن قراءة مشروع الأرشفة كجزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى الاحتفاظ بالسيطرة على مفاصل المؤسسات، حتى في حال حدوث تغييرات سياسية، فامتلاك قاعدة بيانات مركزية وشاملة عن الموظفين يتحول إلى مورد استراتيجي يتيح للجهة المسيطرة إمكانية إعادة تعريف العلاقة بين المؤسسة وموظفيها، سواء من حيث الاستحقاقات المالية أو المسارات الوظيفية أو حتى الاعتراف الإداري بالأفراد.
ومن منظور آخر، فإن احتكار البيانات في مركز واحد قد يخلق نوعاً من "الاعتماد القسري" في أي مرحلة انتقالية، حيث تجد أي سلطة مستقبلية نفسها مضطرة للتعامل مع البنية القائمة، بدلاً من إعادة بنائها من الصفر، وهذا قد يمنح المليشيا ميزة تفاوضية إضافية، يمكن توظيفها في فرض شروط معينة أو الحفاظ على جزء من نفوذها داخل مؤسسات الدولة، وفق مراقبين.