اسرار | بالتفاصيل.. نهاية زمن الابتزاز: لماذا باتت "صنعاء" أقرب من أي وقت مضى؟
لم يتغير ميزان القوى في منطقة الخليج هذا الشهر فحسب، بل سقطت معه أسطورة كاملة قاومت بها إيران وأذرعها لسنوات طويلة؛ تلك هي "أسطورة الصاروخ والمُسيرة" التي استُخدمت كفزاعة لترويع دول النفط وتهديد نهضتها العمرانية. اليوم، ونحن نشهد تحولات جيوسياسية كبرى، ندرك أن المشهد اليمني دخل مرحلة "ما بعد الوهم".
كسر القيود وحتمية المواجهة
لسنوات، نجح الحوثيون في استغلال المخاوف من استهداف "المباني الزجاجية" في دبي أو المنشآت النفطية في السعودية لفرض حالة من تجميد الجبهات. لكن المعادلة تغيرت جذرياً؛ فحين واجهت دول الخليج "الأصيل" (إيران) في مواجهة مباشرة، سقطت هيبة "الوكيل". لم يعد هناك مكان للخوف السابق من مُسيرة هنا أو صاروخ هناك، فقد واجهت المنطقة الشيطان نفسه وليس مجرد ظله.
هذا التحول النفسي والاستراتيجي حرر القرار الخليجي، وباتت النقاشات في الأروقة السياسية تتجاوز "كيفية الوصول إلى صنعاء" لتناقش "كيفية ترتيب ما بعد التحرير". إنها خطوة متقدمة تعكس ثقة صانع القرار في أن أدوات الابتزاز الإيرانية قد استُنفدت.
إيران.. الانتحار على المذبح
إن النظام الإيراني، حتى وإن نجا سياسياً من العواصف الحالية، فإنه خرج مثخناً بالجراح، فاقداً للقدرة على الاستمرار بنفس الزخم في تصدير أطنان الأسلحة للحوثيين أو ضخ الأموال لميليشياته في لبنان والعراق. لقد ارتكبت طهران حماقة عسكرية قدمت من خلالها أذرعها على "مذبح" القوى الناقمة إقليمياً ودولياً.
اليوم، تبرز ضرورة استراتيجية ملحة: لا يمكن للخليج أن يتعايش مع "خطر حوثي" مستدام على حدوده، يتربص بالفرص ليستعيد عافيته ويصنع صواريخ رخيصة الثمن باهظة الكلفة أمنياً وسياسياً. التخلص من هذا التهديد لم يعد "خياراً"، بل صار "ضرورة بقاء".
المعركة الإجبارية واستحقاق السلام
في هذا السياق، ستجد القوى اليمنية المنضوية تحت مظلة الشرعية نفسها أمام "معركة إجبارية". تلك المعارك التي جُمدت بالأمس بضغوط دولية ومخاوف إقليمية، أصبحت اليوم استحقاقاً وطنياً لا مفر منه. فالواقع يؤكد أن استقرار المنطقة يبدأ من يمن مستقر، يُعامل كدولة ذات سيادة واقتصاد، لا كساحة لتصفية الحسابات.
إن الرؤية الخليجية الجديدة تدرك أن ترك اليمن ليأكل نفسه مجدداً يعني أن يلتهم الحرائق الجيران غداً، لذا فإن بناء "اليمن الجديد" هو جزء أصيل من منظومة الأمن القومي الخليجي.
الخلاصة: طريقان لا ثالث لهما
نحن أمام لحظة فارقة؛ فإما أن ينصاع الحوثي لمفاوضات وفق "خارطة طريق معدلة" تعترف بتراجع الدور الإيراني وتقلص قدرات الجماعة، أو أن الحسم العسكري ودخول صنعاء هو الخيار الجاهز على الطاولة. لقد انتهى زمن الابتزاز، وبدأت ساعة الحقيقة.