اسرار | إعلام (الشرعية) يعلن انتصارات غائبة عن الميدان.. تضليل إخباري يربك مسار معركة الساحل ويخدم الخصم
متابعات خاصة |
يتصاعد سخط الأوساط الصحفية والميدانية في اليمن تجاه أداء الإعلام المحسوب على الحكومة الشرعية، إثر موجة انتقادات لاذعة تتهمه باحتراف "التضليل العسكري"، وتسويق تقدمات وهمية وسيطرة ميدانية لا وجود لها على أرض الواقع. وأكد مراقبون أن تسابق هذه المنصات على صناعة "الأخبار العاجلة" واختلاق الانتصارات القاطعة قبل تثبيتها ميدانيًا، لم يعد مجرد خطأ صحفي عابر، بل تحول إلى عبء استراتيجي يُربك القوات المرابطة، ويخدم الأجندة الإعلامية للخصوم.
تتجاوز خطورة هذا الانفصال التام بين الرواية الرسمية وواقع الجبهات مجرد المساس بالمصداقية الصحفية؛ إذ يمتد أثره لتقويض ثقة الشارع اليمني بالبيانات الحكومية، وتضليل القادة والمدنيين على حد سواء، علاوة على منح مليشيا الحوثي فرصة ذهبية لاستغلال هذه الفجوة وتفكيك الرواية الحكومية برمتها.
تصفية حسابات ومتاجرة بالمعركة
وفي قراءة تحليلية لأبعاد الأزمة، شنّ الكاتب الصحفي نبيل الصوفي هجومًا حادًا على الخطاب الإعلامي المساند للشرعية في جبهات الساحل الغربي، موضحًا أن قطاعًا واسعًا من المنصات والإعلاميين باتوا يعطون الأولوية لحصد المتابعات وتغذية الولاءات الحزبية والسياسية على حساب نقل الاحتياجات الميدانية الحقيقية للمقاتلين.
وكشف الصوفي، استنادًا إلى معايشته الميدانية، أن صحفيين يتجاهلون المناشدات الملحة الصادرة من قلب خط النار لنقل خطورة الموقف ومؤازرة المرابطين، ليذهبوا في المقابل نحو ضخ عناوين استعراضية عن "انتصارات ساحقة ماحقة"؛ في وقت تتكتم فيه الجهات العسكرية الرسمية عن التفاصيل حرصًا على سلامة العمليات.
وعن التغطية المتخبطة لوصول قوات العمالقة إلى مطار "ذو باب"، انتقد الصوفي حالة التخبيص الجغرافي والعملياتي التي تورط فيها الإعلاميون بالتحديث عن تحرير مناطق شاسعة شرقًا وغربًا، متجاهلين البيانات الدقيقة الصادرة عن القوات المتواجدة على الأرض. وأكد أن خلط المنصات بين "ذو باب" و"المندب" و"ممر باب المندب" يفضح جهلًا فاضحًا بالجغرافيا العسكرية، مشددًا على أن "المعركة على الأرض عرق ودم وحسابات تكتيكية، بينما المبالغات الإعلامية تخلق انطباعات زائفة تضاعف الضغط والعبء على المقاتل في خط النار".
سطوة "المصدر العسكري" والوقوع في الفخ
من جانبه، سلط الصحفي بسيم جناني الضوء على إحدى فصول هذا التضليل، متمثلة في تصدر وسائل الإعلام الرسمية خبرًا عاجلًا يعلن "دخول مدينة المخا"، بنسبه إلى مصدر عسكري، قبل أن تتكشف الحقائق عن عدم صحة الرواية ومخالفتها التامة للواقع الميداني.
وأوضح جناني أن منح الخبر غطاء "المصدر العسكري" هو ما دفع وسائل إعلام محلية وخارجية للتعاطي معه كحقيقة مسلّمة، مما يبرز خطورة الاتكاء على الصفة الرسمية دون التحقق العملياتي. وأشار إلى أن سحب مثل هذه الأخبار أو تكذيبها لا ينهي أثرها الكارثي؛ إذ تحاط الوكالات والمؤسسات الدولية بروايات مضللة يصعب محوها، مما يضرب مصداقية الإعلام الرسمي في مقتل.
فجوة بين المفهوم العسكري والشعار الإعلامي
بدوره، رصد الناشط مقبل محمد هذا الارتباك الإعلامي، لافتًا إلى تناقض صارخ بين قنوات تحدثت عن "تحرير المخا بالكامل" وأخرى نقلت أنباء عن مجرد مناوشات محدودة في محيط باب المندب.
وأكد أن هذه الفجوة تسقط الشرعية في حرج بالغ أمام الرأي العام الداخلي والدولي، في عصر الميديا المفتوحة والتحقق عبر الأقمار الصناعية والتسجيلات الميدانية. وشدد على أن الأزمة تكمن في العجز عن التمييز بين المفاهيم العسكرية: "فشتان بين إحداث تقدم وتثبيت السيطرة، وبين الاشتباك العابر وتحرير المنطقة بالكامل".
المصداقية رصيد استراتيجي في إدارة الحرب
وفي سياق متصل، وسّع الصحفي صلاح بن لغبر دائرة النقاش، مؤكدًا أن تثبيت السيطرة العسكرية لا يكون عبر البيانات العاطفية، بل بالتوثيق الميداني للمعالم والمعابر والمباني الحاكمة؛ لأن "الميدان هو الحاكم الوحيد للرواية".
وحذر بن لغبر من أن استنزاف "رصيد المصداقية" يخدم الخصم بشكل مباشر ويمنحه مادة مجانية للصدمات النفسية، حتى يصل الشارع إلى مرحلة تكذيب الحقائق عند حدوثها فعليًا. وأضاف: "الحرب الإعلامية والنفسية علم قائم على إدارة الوعي، ورفع معنويات الجبهة الداخلية، وصون المعلومات الميدانية وإدارة توقيت إعلانها، وليست مضمارًا لاختراع انتصارات وهمية".
ولفت إلى أن وقوع وكالات أنباء عالمية في فخ الأخبار الرسمية المضللة يضر بهيبة المؤسسات الرسمية، ويكبد المدنيين والقيادات خسائر باهظة نتيجة بناء قراراتهم وتقديراتهم الميدانية على معلومة صحفية خاطئة.
صناعة الوهم وتخريب القرار السياسي
وفي نقد أكثر راديكالية، اعتبر الناشط عبدالله الجعيدي أن الخطاب الإعلامي الموالي للشرعية غدى جزءًا أصيلًا من المشكلة لا الحل، لتخصص بعض منابره في "تجميل الإخفاقات وبيعه الوهم للشارع"، مما يعزل القواعد الشعبية عن استيعاب واقع المعركة.
ونبه الجعيدي إلى أن الخطورة الكبرى لهذا التضليل تكمن في تغذية متخذي القرار بتصورات وردية تزيف الواقع وتمنع معالجة الخلل التكتيكي أو الاستعداد للسيناريوهات الميدانية القادمة. واختتم بالقول: "إن غياب هذا الإعلام المضلل عن المشهد بات ضرورة وطنية؛ فحضورٌ يربك الجبهات ويزيف الحقائق هو أشد خطرًا من غيابه".